المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجهة نظر اقتصادية - إدارة الموارد المائية العربية والتجربة الألمانية


إبراهيم محمد
11-04-2006, 12:09 PM
قد يستطيع المرء ان يعيش من دون نفط أو غاز، إلا أنه لا يقدر مطلقاً على العيش من دون مياه. وعلى ضوء ذلك يمكن القول ان من سوء حظ العالم العربي، وجود القسم الأكبر من مصادر ثروته المائية خارج أراضيه. والمقصد بذلك خصوصاً ينابيع دجلة والفرات والنيل التي تنبع من دول غير عربية. وإذا كانت دول المنبع تركت هذه الينابيع على حالها حتى عهد ليس ببعيد، فإنها اليوم بدأت تقيم مشاريع على مجاري أنهارها في أراضيها، ليس فقط من أجل الاستفادة منها، وإنما للتجارة بها أو من أجل استخدامها كورقة ضغط سياسية.

لنأخذ على سبيل المثال تركيا التي أقامت سدوداً لتجميع المياه وبيعها إلى الدول المجاورة ودول حوض البحر الأبيض المتوسط الأخرى. وأثيوبيا كذلك وبلدان أعالي النيل الأخرى التي تخطط لبناء السدود والقنوات على منابع النيل. ومن شأن هذه المشاريع أن تعقد أزمة النقص في المياه في كل من سورية والعراق والسودان ومصر. أما الدول العربية الأخرى باستثناء لبنان وفلسطين، فإنها تعاني من هذه الأزمة بسبب نقص الأمطار وقلة الأنهار فيها، وامتداد الصحارى على أراضيها. وفي فلسطين، تعاني الضفة الغربية من نقص خطير في المياه بسبب سياسات إسرائيل القائمة على استغلال غالبية منابعها من دون مراعاة حاجات الفلسطينيين وحقوقهم. أما في قطاع غزة فبلغت أزمة نقص المياه حداً خطيراً ينذر بكارثة إذا لم تعالج خلال السنوات المقبلة.

ان مشاريع الري والسدود في الدول المجاورة للدول العربية من جهة، وتزايد عدد السكان العرب بمعدلات عالية من جهة أخرى، إضافة إلى الحاجات المتزايدة للزراعة والصناعة والسياحة، تعقد مشكلة نقص المياه. وعلى رغم تزايد حدتها عاماً بعد عام، فإن الدول العربية من دون استثناء لا تزال تدير مواردها المائية في شكل متخلف.

فالمزروعات لا تزال غالباً تروى بالغمر وأساليب تقليدية أخرى تستهلك وحدها ثلثي هذه الموارد. أما مياه الشرب، وخصوصاً في المدن فإنها لا تزال تهدر على استهلاك المنازل والحدائق، من جانب المستهلكين الذي لا يقدرون أهميتها. وهناك مشكلة تقادم الشبكات، ما يزيد نسبة التسرّب منها والتي تصل في بعض الأحيان إلى 15 في المئة من المياه التي تضخها. يضاف إلى ذلك ضعف الوعي البيئي ورخص الأسعار التي تحظى بالدعم الحكومي وهي لا تشجع على ثقافة ترشيد المياه.

وإذا كانت الدول العربية حتى الآن قادرة على تحمل تبعات هدر جزء من مواردها المائية المحدودة في الوقت الحالي، فإن الأمر سيكون على غير ذلك خلال السنوات القادمة بسبب الطلب المتزايد عليها.

وعلى ضوء ذلك لا بد من العمل بجدية على إدارة هذه الموارد بشكل رشيد وعقلاني إلى أقصى الحدود الممكنة. وهنا تبرز أهمية الاستفادة من خبرات دول قطعت شوطاً في هذا المجال وفي مقدمها ألمانيا.

فهذا البلد يتمتع بنظام ترشيد يستند على وعي صحي فريد من نوعه. كما يتمتع بأفضل التقنيات والمعارف على مستوى العالم في مجال تطوير الموارد المائية والحفاظ على تجددها. وكذلك الأمر أيضاً في مجال مد شبكات مياه الشرب والري والصرف الصحي وإعادة تنقية الأخيرة واستخدامها للأغراض الزراعية. يضاف الى ذلك سياسة الأسعار التي يتبعها والتي تشجع على الترشيد، ناهيك عن قوانينه الصارمة التي تمنع التعدي على مصادر الثروة المائية. وتمتلك ألمانيا خبرات على مدى أكثر من نصف قرن في مجال تطوير مشاريع مائية في أفريقيا والبلدان العربية. ومن بين هذه المشاريع محطات تحلية مياه البحر في دول الخليج، إضافة إلى عدد لا بأس به من مشاريع المياه الجوفية والسطحية في البلدان العربية الأخرى. ومن شأن ذلك تسهيل إمكانات الاعتماد على هذه الخبرات في إقامة مزيد من هذه المشاريع، بحيث لا تبقى محصورة في بعض المناطق في كل بلد على حدة.

غير أن إدارة موارد الثروة المائية العربية بشكل أفضل، لا تعني فقط الاعتماد على الخبرات الألمانية والخبرات الدولية الأخرى، وإنما على مدى تعاون دول العالم العربي في إطار سياسة مائية تهدف إلى إقامة مشاريع مشتركة بهدف ضمان أمنها المائي قبل فوات الأوان. وهـــذا لا يغلق الباب على ضرورة تعاونها على الصـعيد الإقلــيمي على رغم صعوبته في الوقت الحاضر بسبب الخلافات السياسية مع إسرائيل وتركيا وأثيوبيا وغيرها من دول الجوار الأخرى.

أخيراً، حري بالبلدان العربية التي تجلس جميعها تقريباً في قارب الجفاف والتصحر، أن تقتدي بأوربا الفقيرة بالوقود، ما دفعها للبحث عن بدائل له من خلال الاتفاق على اعتماد استراتيجية أوروبية مشتركة تجاهه.

يبقى السؤال المشروع: لماذا لا يعتمد العرب استراتيجية مشتركة في مجال الثروة المائية؟
إعلامي وخبير اقتصادي – برلين

ــــــــــــــــ

المصدر الحياة