#1  
قديم 16-11-2008, 10:36 AM
فني الموقع فني الموقع غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Feb 2004
المشاركات: 66
الملتقى الاول لصالون الفاخرية - الجزء الثاني


الدكتورة نيفين مسعد

بداية أتوجه بالشكر لصاحب السمو الأمير طلال بن عبد العزيز على هذا الإطار الجديد الذي يسمح بتلاقح الأفكار وتفاعل عناصر من المجتمع المدني والذي يضيف به كثيراً إلى أُطر متعددة نشرف بها ونسعد بها هنا في مجتمعنا المصري، كما يسعدني أن أشكر صديقي وزميلي العزيز الدكتور وحيد عبد المجيد الذي وجه لي الدعوة للمشاركة في هذا الملتقى والإسهام في موضوع إيران .. إيران التي ملأت الدنيا وشغلت الناس ، صعب جدًا أن يتكلم أحد بعد د. مصطفى الفقي طبعًا لما لحديثه من طلاقة ، ولما لمنطقه من جاذبية وإقناع ، وهناك قدر من التداخل بين ما أقول وبين ما قاله د. مصطفى ، أفكاري في الورقة تتمحور حول ثلاث عناصر رئيسية :
أولاً : السياق العام للصعود السياسي لإيران.
ثانيًا : المشروع الإيراني للشرق الأوسط .
ثالثًا : ثم كيف يتعامل العرب مع المشروع الإيراني .
- في الصعود السياسي لإيران، هناك ثلاث عناصر رئيسية مهدت لهذا الصعود وساعدت عليه . العنصر الأول أو العامل الأول متعلق بنظرية الفراغ الاستراتيجي .. إيران بحلول عام 2003 وجدت نفسها إزاء منطقة خالية من الأعداء تماماً ، العراق نُكل به واحتل ، وقبل ذلك أفغانستان وأنا معه تمامًا - أن طالبان من أعدى أعداء إيران ، وبالتالي فهي تخلصت من جار لدود .. عدو لدود إذا جاز التعبير.
- منطقة وسط آسيا تمثل فراغاً أو تتيح فراغاً خصوصًا بعد أن تمخض التنافس الدولي على هذه المنطقة عن مجموعة من الروابط التنظيمية قليلة الفاعلية . ولذلك وجدت إيران نفسها في وضع فراغ استراتيجي، وكما هو معروف في العلاقات الدولية أرادت إيران وهي تملك الرغبة بطبيعة الحال أن تملأ هذا الفراغ وفعلت .
- العامل الثاني الذي ساعد على الصعود السياسي لإيران هو الطفرة الكبيرة في الثروة النفطية ، والتزايد المطرد لأسعار النفط اعتباراً من 2002 حتى 2005 ثم بشكل متسارع وبصورة واضحة من 2005 إلى 2007؛ حيث وصل سعر برميل النفط إلى نحو 100 دولار. والكثير من الثروة النفطية التي جنتها إيران من وراء احتلال العراق لم تفيد في الداخل، فالذي يدرس إيران من الداخل يعلم أن المواطن الإيراني في ظل هذه الطفرة النفطية يشكو من أزمة اقتصادية ومن توجيه الثروة إلى الخارج لتمويل مشروع الهيمنة الذي تحدث عنه الدكتور مصطفى، فكان هذا هو العنصر الثاني .
- العامل الثالث : هو المتعلق بصعود أحمدي نجاد للسلطة 2005. منذ أضاف للصورة ولم ينشئها بخلاف ما نقرأ في كثير من الصحف وهو أن نجاد كان القاطرة التي قادت مشروع إيران للهيمنة ، أو هو الذي أنشأ المشروع الإيراني أو أحياه من عدمه. في الحقيقة أن نجاد كان مهمًا بمقدار ما هو راغب في الظهور وبما هو يتحدث به عن مصادمة إسرائيل ، وعن تحدي للولايات المتحدة ، وعن مساندة المستضعفين. فهو مهم من هذه الزاوية ، لكنه لم ينشئ المشروع التوسعي الإيراني ، أو مشروع الهيمنة الإيراني ، لأن إيران دولة كبرى يتعاقب عليها الزعماء والقادة ولا تتغير سياستها الخارجية ، تتغير أدوات تنفيذ السياسة الخارجية، ولكنها لم تغير سياستها الخارجية من الشاه حتى الآن ، ولكل شيخ طريقته. وحتى ندرك وضع نجاد على وجه الدقة في المشروع الإيراني، سوف نعود إلى تقرير أجندة المخابرات الأمريكية الذي أشار إلى أن المشروع النووي الإيراني أو محاولات إيران لتطوير السلاح النووي توقفت سنة 2003. منذ ذلك العام كان قد مضى على محمد خاتمي في السلطة 6 سنوات. وخاتمي هو رجل داعية للحوار ورجل يدعو إلى الوئام والمصالحة .. مصالحة إيران مع مختلف دول العالم . ولكنه هو الذي طور المشروع النووي ، وربما لأن هذا القرار ليس في يده ، وإنما بيد المرشد ، وربما لأنه كان أضعف مما يجب ، وربما لأنه كما قلت إن الزعماء يتغيرون ولكن السياسة الخارجية لا تتغير. والمدهش أن المشروع النووي الإيراني توقف في عهد محمود أحمدي نجاد الذي هو بطبيعته شخص صدامي وشخص مقبل على المواجهة. وأنا أربط وقف المشروع عام 2003 ، بأن العراق سقط. فأحد الدوافع الرئيسية التي تدفع إيران إلى امتلاك السلاح النووي لم يعد قائمًا لأن العراق أصبح بحوزة إيران إذا جاز التعبير ، ومن ثم فهي لم تعد في حاجة ملحة لامتلاك السلاح النووي. وهناك ملاحظة خاصة بأن الكثير من العوامل التي توافرت لإيران في عام 2003 لتصعد سياسيًا كانت هي موجودة ، أيضاً بالنسبة للنظام العراقي في 1979 و1980 ، ومنها الفراغ الاستراتيجي. كان هناك فراغ استراتيجي بالنسبة لإيران كما سبق التوضيح، وهناك أيضًا كان فراغ استراتيجي بالنسبة لصدام حسين بسبب عزلة مصر العربية. كما كان هناك ضعف إيراني في ظل اعتقاد بأن الثورة سوف تنكفئ على نفسها في ظل عزلة دولية للنظام الإيراني الجديد فضلاً عن الغزو السوفيتي لأفغانستان وانشغال العالم به ، فشَبه لصدام حسين أنه يستطيع أن ينال من إيران تحت الشعار الكبير "حماية البوابة الشرقية للأمة العربية". وكما أن محمود أحمدي نجاد صاحب رؤية صدامية ، كذلك أيضاً كان صدام حسين. وكما وظف محمود أحمدي نجاد تناقضات النظام الدولي لصالحه ، كذلك فعل صدام حسين ، فاستغل حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضرب النظام البازغ على أنقاض إمبراطورية الشاه ، وكان ما كان من تعاون أمريكي عراقي أثناء الحرب .وهذا يطرح السؤال ، هل يمكن أن نتصور، بما أن المقدمات تشابهت في الحالتين الإيرانية والعراقية في 1979 ، 2003 ، هل تتشابه النتائج ؟ ، بمعنى أنه هل يتكرر مع إيران السيناريو الذي أصاب العراق ، هذا هو التساؤل الذي يطرحه هذا الجزء من الورقة .
- الجزء الثاني يتعامل مع مكونات مشروع إيران للشرق الأوسط ثم يبرز رؤية الشرق الأوسط بالنسبة لإيران ، الشرق الأوسط بالنسبة لإيران مهم ثباته بطبيعة الحال ، بما فيه من نفط .. من عمالة إيرانية .. من معبر مائي .. من مشكلات حدودية .. من تجمع ديموجرافي شيعي ، هو مهيمن بذاته ، ولكنه أيضًا مهم كأداة للمناورة به فيما يتعلق بحدودها الشرقية. فعلى الحدود الشرقية لإيران هناك تكتل بشري قوامه 3 مليار نسمة "الصين والهند" ، هناك أربع قوى نووية ، الصين وروسيا والهند وباكستان. وهناك العديد من العائلات اللغوية التي لها امتدادات في داخل إيران ، هناك أكثر من دين أو مذهب سماوي ، أيضًا لهم امتدادتهم داخل إيران، هناك خلايا متطرفة .. مختلفة، بعضها نائم وبعضها نشط ، ينتظر لحظة مناسبة للنشاط، هناك فرص للاستثمار وأسواق كبيرة ، وهناك قطب دولي "روسيا"، هو حاليًا حليف إيران في مواجهة الولايات المتحدة، ولكنه كان هو الجار الذي يهدد إيران والذي مثل لها خطرًا دائمًا لفترة طويلة من تاريخها السياسي. إذن الشرق الأوسط مهم لذاته ، وهو أيضًا مهم كورقة للمناورة بها في منطقة أخرى لا تقل عنه أهمية ، والسؤال الذي يطرح هنا عن مضمون الشرق الأوسط الذي تتطلع إليه إيران ، طالما أننا نتكلم في مجال الشرق الأوسط على صِدام بين مشروعين ؟ وقد سبق أن سمعت هذا من الدكتور وحيد عبد المجيد وهو قول حق ، أن هناك صِدامًا وتنافسًا بين مشروعين ، المشروع الأمريكي والمشروع الإيراني ، لأنه لا يوجد مشروع ثالث منافس لهما. وهنا تثار مجموعة من التساؤلات ، بعضها ربما كان صادمًا ولكن الهدف منه إعادة التفكير في بعض القضايا التي بدا وكأنها استقرت في العقل العربي وبدت كمسلمات ، والسؤال الأول هنا ما موضع إسرائيل في الشرق الأوسط من وجهة النظر الإيرانية؟، بمعنى آخر هل من مصلحة إيران القضاء على إسرائيل، وتفكيكها وترحيل اليهود إلى أوروبا الغربية؟، كما طالب بذلك محمود أحمدي نجاد؟ الإجابة السهلة على هذا السؤال أو الفورية أو التي قد تتبادر إلى الذهن هي نعم، لأن مصلحة إيران القضاء على إسرائيل. فإسرائيل دولة تناصب إيران العداء ، وسياسة إيران منذ بداية الثورة ، كانت شديدة الوضوح فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية ، فأول ما اتخذته الثورة إزاء القضية الفلسطينية هو إغلاق السفارة الإسرائيلية، وأسمت الطريق المؤدي إليها طريق "ياسر عرفات". وهي تقيم ملتقى سنويًا للاحتفال بالقضية أو التذكير بالقضية الفلسطينية يسمى يوم القدس ، وتقدم دعمًا لحركات المقاومة سواء كان على الساحة الفلسطينية أو الساحة اللبنانية. وتاريخ إيران واضح في هذا الخصوص ، إذًا فالإجابة السهلة هي نعم . إن إيران تريد التخلص من إسرائيل في شرق أوسطها الموعود أو المطلوب. ولكن في الحقيقة من المهم أخذ المتغير الزمني في عين الاعتبار ، وفي المدى القصير ربما تحتاج إيران إلى وجود إسرائيل ، تحتاج إلى وجودها من أجل زيادة شعبيتها في المنطقة ، لأن الفترة الوحيدة التي وصلت فيها الشعبية الإيرانية إلى ذروتها هي فترة حرب لبنان 2006 ، فلم يكن المواطن العربي العادي يسأل إيران شيعية أم سنية ، كان كل همه أن إيران تقف داعمة لحزب الله، وحزب الله يواجه إسرائيل، ونحن جميعًا في مواجهة إسرائيل ومع من تقف في وجه إسرائيل. ومن هذه الزاوية ، إيران تحتاج إسرائيل في اللحظة الراهنة وفي حدود المدى المنظور تؤدي لها وظيفة إكساب الشعبية على مستوى الوطن العربي ، أما متى تأتي اللحظة التي تنفد فيها حاجة إيران إلى إسرائيل، فالإجابات متعددة. ربما يحدث ذلك إذا تمكنت من إعادة ترتيب المنطقة بما يضمن لها وضع أفضل ، أو إذا تمكنت من تصنيع سلاح نووي ، ربما إذا مُكن لها في العراق وإن قدمت تنازلات في جبهات أخرى ، ربما تكون الجبهة اللبنانية إحدى هذه الجبهات ، ربما وربما .. لا أستطيع أن أجذم ما هي اللحظة التاريخية التي تتوقف عن النظر إلى إسرائيل كأداة أو كوسيلة، ولكن أتصور أن هذه اللحظة لابد أن تأتي . والسؤال الآخر هو هل إيران تحرص على وجود النخب العربية القائمة كما هي أم تسعى إلى تغييرها؟. وهذه النخب العربية إما مستمرة منذ أن قامت الثورة الإيرانية أو ورثها جيل جديد بنفس الأفكار القديمة . هذه النخب وصفها الخميني في بداية الثورة ، بأنها نخب تابعة وعميلة وفاسدة ولا قرار لها ، وأنها تستجيب للسيد الأمريكي ، إلى أن ما ذكره الخميني في بداية الثورة ، فهل من مصلحة إيران تغيير هذه النخب لتأتي بنخب أخرى أكثر انفتاحًا عليها ، وليست محملة بهذه الذكرى التاريخية السلبية عن إيران .. هل من مصلحتها ذلك ؟.. الإجابة السهلة هي نعم ، وإن من مصلحة إيران تغيير هذه النخب العربية ، أن يأتي على سبيل المثال رئيس "مصري" لم تشهد علاقته بإيران شائبة منذ 1979 . والإجابة السهلة هي نعم ، ولكن الإجابة التي أدعو للتفكير فيها هي لا .. أولاً إيران تحتاج إلى النخب العربية .. تحتاج لأن المقارنة بين نجاح إيران وإخفاقات النخب العربية، دائمًا ما يثار في ذهن المواطن العادي .. إيران قادرة على أن تقول لا للولايات المتحدة، إيران قادرة على أن تدعم قوى المقاومة ، إيران قادرة على أن تبني سلاحاً نوويًا ، إيران عندها نظام فيه جانب كبير من التصلب بما أن هناك مرشد أعلى في يده كل الأمور أو ممسك بيده أوراق اللعبة ، ولكن أيضًا عندها انتخابات مشهود بنزاهتها ، وعندها دور قوي للمجتمع المدني لا نعرف عنه كثيرًا ، وعندها دور قوي للمرأة الإيرانية ، والمرأة الإيرانية لا تشارك في الجلسات فقط ولكنها تقابل المواطن الذي ينزل إلى المطار وهي تعمل حتى ساعات متأخرة من الليل، وهناك توقير شديد من قبل المواطن الإيراني للمرأة .. وهي في كل المرات تتقدم لانتخابات الرئاسة، ومجلس صيانة الدستور يفتي بأن المقصود بالمواطن في الدستور الإيراني هو الرجل وليس المرأة ، ولكنها لا تيأس، وتعاود الكرة مرة أخرى وتطالب بأن يكون هناك أحزاب سياسية للنساء، ما أريد أن أقوله أن النخب العربية بما هي فيه من فساد .. وتكلس وانصياع للولايات المتحدة ، مطلوبة للمقارنة بين هذه السلبيات وبين حيوية النظام الإيراني . ثم إن هذه النخب الموجودة حاليًا .. إيران تعرف عيوبها. وإيران ليست متأكدة أنه إذا أُحتكم إلى انتخابات نزيهة ستكون النخب التي ستصعد كنتيجة لهذه الانتخابات بالضرورة انفتاحية عليها، والكثير من التجارب الانتخابية أسفرت على مستويات متعددة عن فوز التيار الإسلامي. وليس بالضرورة كل الإسلاميين العرب أصحاب رؤية انفتاحية على إيران. وكما أذكر في الورقة فإن الذي أقام مجالس العزاء للزرقاوي في الأردن كان من "الإخوان المسلمين" كما أن تنظيم القاعدة من أعدى أعداء إيران ، فماذا لو قدر لهؤلاء أن يصلوا .. ماذا يكون الحال لو وصل هؤلاء إلى السلطة في أي دولة من الدول العربية ، ماذا ستكون عليه رؤيتهم للدولة الإيرانية، وبالتالي فإن مسألة وجود النخب العربية في مواقعها تحتاج إلى إعادة نظر.
- الأمر الثالث أو النقطة الثالثة بشأن مضمون الشرق الأوسط من وجهة نظر إيران هو الدور السياسي للشيعة ، والسؤال الذي يطرحه هذه الجزء ، هل من مصلحة إيران أن تقارب المنطقة العربية أو الوطن العربي من منظور تجميعي أي من منظور الإسلام الذي هو الآصرة الجامعة بين 85% من سكان هذه المنطقة ؟! أم تخاطب المنطقة وتقاربها من منظور طائفي مذهبي ضيق للغاية ؟ طبعًا الإجابة السهلة أو الميسورة على هذا السؤال هي أن تتحدث بما هو جامع ، وبما يوفق وبما يرضي الصفوف الإسلامية، وهذه هي الإجابة السهلة . ولكن الحقيقة أن إيران لا تستطيع أن تنكر أن الشيعة هم الذين حملوا المشروع الإيراني في العراق، وأن الذين يحكمون الآن في بغداد هم من استضافتهم إيران .. ومن دعمتهم .. ومن قدمت لهم المدد والسند في وقت اضطهدوا فيه وطردوا ونفوا من بلادهم .. أو هجروه باختيارهم .. الشيعة في لبنان هم الذين يحملون المشروع السياسي الإيراني ، من يزور الضاحية الجنوبية في لبنان يدرك أنه في جزء من إيران ، أو أنها امتداد لإيران وليست جزءًا من لبنان ، صور الخميني .. الزي .. كل شئ .. المسميات .. الضاحية الجنوبية في لبنان هي امتداد لإيران وليست امتدادًا طبيعيًا للعاصمة بيروت .
والشيعة في الخليج ، جزء منهم يدافع عن الفكر الإيراني وعن المشروع الإيراني ، فكيف تتعامل إيران مع هذه المسألة ، هل تقارب المنطقة العربية من منظور تجميعي – منظور الإسلام - أم منظور التشتيت؟ الحقيقة أن إيران نفسها في هذه النقطة بالذات تقع في حيرة ، ولعل المثال كان شديد الوضوح في القمة الخليجية الأخيرة ، حيث بدأ الرئيس الإيراني بالقول : "بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم المرسلين إلى آخره". وهذه بداية تجمع المسلمين جميعًا ، ثم ثنى على هذا بأن ذكر "الولي الغائب عجل الله فرجه" رغم أنه يدرك حساسية هذه النقطة ، هو يتكلم في وسط إسلامي سني . وما كان أغناه عن استخدام مصطلح الخليج الفارسي وهو يتحدث في مقام مفروض أنه مدعو إليه والغرض منه مد جسور التفاهم وليس دق إسفين في العلاقات العربية الإيرانية. فنجاد دخل القمة ممسك بيده العامل التوحيدي (الخطاب الإسلامي) لكنه من ناحية أخرى عزف على نغمة أن إيران لها مذهب مختلف وأنها متميزة عن الدول الأعضاء في المجلس .
- السؤال الرابع والأخير، فيما يتعلق بمضمون الشرق الأوسط من وجهة النظر الإيرانية ، هل إيران تدعو إلى شرق أوسط منزوع السلاح ؟ هل من مصلحتها أن تكون هذه المنطقة منزوعة السلاح ؟ كما تدعو حاليًا وكما تتبنى هذه الدعوة أيضًا دول أخرى منها على سبيل المثال مصر وغيرها .. الإجابة السهلة هي نعم أن إيران تريد شرق أوسط منزوع السلاح ، بما في هذا نزع سلاح إسرائيل الذي يعد أداة رئيسية من أدوات هيمنتها ، أو من أدوات قوتها ، ومنافستها لإيران في منطقة الشرق الأوسط . ولكن ربما لو أدخلنا عامل الزمن قد نتوصل إلى نتيجة أخرى ، إيران من مصلحتها حاليا نزع سلاح الشرق الأوسط ، حتى يتساوى الجميع طالما أنه ليس بحوزتها سلاح نووي ، وطالما أنها غير قادرة على تصنيع هذا السلاح في الوقت الراهن ، فمن مصلحتها تجريد الشرق الأوسط من السلاح النووي ، لكن على المدى البعيد إذا قدر لإيران أن تطور سلاحًا نوويًا هل يكون من مصلحتها إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي. أن تتخلى عن قوتها الردعية ، إذا كانت هي حاليًا تباهي بقدرتها الصاروخية التي لها القدرة على أن تصل إلى الولايات المتحدة في داخل العراق ، والقول الشهير عندما قيل إن الولايات المتحدة تحاصر إيران بعد حرب العراق ، قالوا "لا نعرف من يحاصر من" .. وهل إيران هي التي تحاصر الولايات المتحدة أم الولايات المتحدة هي التي تحاصرها .. فإذا كانت تباهي بصواريخها في جنوب لبنان التي تصيب العمق الإسرائيلي ، والتي قد تصيب العمق العراقي ، فهل يمكن أن نتصور إذا قدر لها أن تصنع سلاحا نووياً أن تتخلى عن هذه الميزة بسهولة .
- آخر جزء تتوقف عنده الورقة ، يتعلق بالسؤال عن الأدوات المختلفة أو البدائل المختلفة لتعامل العرب مع إيران ؟ .. البديل الأول هو البديل التعاوني ، المدخل التعاوني. هذا المدخل التعاوني مثل نمطًا من أنماط التفاعل العربي الإيراني منذ نهاية حرب الخليج الثانية ، عندما استأنفت الدول العربية علاقاتها مع إيران في أعقاب موقفها من حرب الخليج ، ومضت قدمًا في تطوير علاقتها التجارية والاقتصادية معها ، وكان آية ذلك التعاون الإيراني السعودي في هذا الخصوص ، إذن هذا المدخل ليس جديدًا وجُرِّب من قبل. وحتى فيما يتعلق بالإمارات العربية المتحدة التي تشتد معها الأزمة حول الحدود، فإنها تحرص دائمًا على التمييز بين مسلك التعاون الاقتصادي والتجاري مع إيران من جهة، وقضية الجزر الثلاث من جهة أخرى، وهي تمشي على هذين الساقين .: ساق التعاون مع إيران، وساق الإلحاح على مسألة الجزر الثلاث. ولكن مؤخرًا حدث تطوران رئيسيان ربما يدفعان إلى التساؤل، هل هذا المدخل التعاوني أصبح مرشحًا لكي يكون هو المدخل السائد للتفاعل العربي الإيراني؟ والتطوران هما:
التطور الأول هو ما ذكرته من دعوة "محمود أحمدي نجاد" للتحدث أمام مؤتمر القمة الخليجية ؛ حيث طرح مشروعًا من 12 نقطة تتناول التعاون الاقتصادي والتجاري والأمني وإزالة الحواجز، وانتقال البشر والاستثمارات والتملك .. إلى آخره. هذا المشروع في مجمله يُشكِّل سابقة في هذا الخصوص.
أما التطور الثاني فيتمثل في تسارع وتيرة تطبيع العلاقات الاقتصادية المصرية – الإيرانية بالذات منذ زيارة وزير التجارة الإيراني للقاهرة ولقائه مع نظيره المصري في شهر نوفمبر الماضي.
ولكن يبدو أن المد والجزر صارا هما السمة المميزة للعلاقات المصرية الإيرانية منذ عام 1979، ويلاحظ ذلك من تكرار اشتعال الخلاف بين الدولتين كلما ساد انطباع بقرب تبادلهما السفراء، إلا أن زيارة مساعد وزير الخارجية المصري لطهران، وهو حدث غير مسبوق مَثَّلَ إضافة لم تتوافر من قبل لمحاولات إذابة جبل الجليد في العلاقات المصرية الإيرانية.
وتأسيسًا على التطورين السابقين، وفي ضوء هذه المؤشرات، هل يصبح التوقع بأن يكون المدخل التعاوني هو المدخل المرشح لاستعادة العلاقات العربية الإيرانية؟ الإجابة على هذا السؤال ترتبط بحزمة أخرى من الأسئلة؛ أولها هو إذا كانت الدول العربية لم تعتمد هذا المدخل مدخلاً وحيدًا للعلاقة مع إيران منذ التسعينيات، ومع شد وجذب في علاقتها مع إيران، إضافة إلى الهواجس الأمنية والسياسية من نوع دعم الحركات الإسلامية، والتمدد الشيعي، فهل تقبل الدول العربية هذا المدخل التعاوني، وهل هي مستعدة أن تفتح الحدود أمام الهجرة والعمالة الإيرانية. وما قد يترتب عليه من تعمق النفوذ الإيراني الموجود أصلاً في دول الخليج.
التساؤل الثاني يرتبط تحديدًا بالعلاقات المصرية الإيرانية، وما الذي يدفع النظام المصري نحو تحسين العلاقة مع إيران، لاسيما وأن شرعيته في أدنى مستوياتها في الوقت الراهن، فهل يكون من مصلحته أن يخطو هذه الخطوة.
جدير بالذكر هنا أن عودة العلاقات المصرية الإيرانية تبدو معقدة لتحكم الاعتبارات الأمنية على الجانب المصري فيها، ناهيك عن أن هناك أطرافًا متشددة على الجانب الإيراني، ولا ترحب بعودة العلاقات المصرية الإيرانية.
أما السؤال الثالث فيتعلق بموقع الولايات المتحدة من تلك التطورات، بمعنى هل تعطي الضوء الأخضر لتحسن العلاقات العربية – الإيرانية بشكل عام .. لكي يصبح هذا هو النمط المعتمد والوحيد للعلاقات العربية الإيرانية .
واقع الأمر أن كل العلاقات العربية الإيرانية ليست تابعة أو مُشكَّلة وفق الإرادة الأمريكية، لكن من ناحية أخرى فإن للإرادة الأمريكية دور كبير في تشكيل هذه العلاقات.
المدخل الثاني هو المدخل الصراعي في العلاقة بين العرب وإيران، وسبق للدول العربية أن جَرَّبت هذا المدخل مع إيران منذ 1979 وحتى 1990، وبلغ ذروته في حرب الخليج الأولى، عندما ساندت الدول العربية أو معظمها - العراق في مواجهة إيران، فهل يمكن أن يمثل هذا المدخل مدخلا معتمدا للعلاقات ؟ هناك مؤشرات عدة لهذا المدخل، فالصراع العربي – الغيراني يثدار من أسفل في كثير من الساحات العربية: في الساحة اللبنانية، في الساحة الفلسطينية، في الساحة العراقية، أيضًا هناك تنافس عربي – إيراني، وبالذات على المستوى السعودي الإيراني.
تأسيسًا على ما سبق، تطرح عدة تساؤلات جوهرية من نوع : هل يمكن أن ترشح المؤشرات السابقة بأن يصبح المدخل الصراعي أو النمط الصراعي هو الغالب على العلاقات العربية الإيرانية. وإلى مدى يمكن أن تصل الدول العربية في صراعها مع إيران. وكيف يكون رد فعل الدول العربية في حال إذا ما قررت الولايات المتحدة توجيه ضربة عسكرية لإيران، بمعنى هل تؤيد هذا المنحى وتقدم الدعم للولايات المتحدة، أم تتورط الدول العربية في مسألة خلخلة الاستقرار السياسي الإيراني، خاصة وأن إيران تشهد الكثير من الصراعات الداخلية، لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة بعيدة عن العبث بالداخل الإيراني.
الواقع أن الولايات المتحدة لها دور في إعادة تشكيل الساحة الداخلية الإيرانية، سواء بتغذية الاختلافات الاثنية، (فإيران غنية بإثنياتها وأقلياتها وجماعتها اللغوية والدينية إلى آخره)، أو استغلال المعاناة الاقتصادية للمواطنين، فهناك الكثير من الاحتجاجات على سياسة أحمدي نجاد، وقد يكون هذا مدخلاً مثاليًا لا يكلف الولايات المتحدة مشقة المواجهة العسكرية مع إيران.
يبقى القول إنه في حال اعتماد المدخل الصراعي، ستكون الدول الخليجية بالذات هي الخاسر الأكبر فيه من زاوية أن إيران أعلنت في أكثر من مرة أنها إذا ضُربت أو هُددت لن تستنكف عن ضرب المصالح والقواعد الأمريكية حيثما كانت، إضافة إلى ورقة المكوِّن الديموجرافي التي تمسك بها إيران والتي لديها القدرة على تهديد الاستقرار السياسي في الدول الخليجية .
المدخل الثالث هو المدخل الصراعي التعاوني، أو مدخل ممارسة التقية السياسية، ويُعبِّر هذا المدخل بصدق عن واقع العلاقات العربية – الإيرانية، وبشكل أخص العلاقات الخليجية – الإيرانية، فالواجهة التعاونية لتلك العلاقات كما تجسدها دعوة الرئيس الإيراني للحج واستضافته في القمة الخليجية، وتوقيع بعض الاتفاقيات التجارية والاقتصادية، تخفي وراءها صراعًا سياسيًا يُدار من أسفل مع قوى 14 و8 آذار في لبنان، وحركة حماس والجهاد والسلطة الوطنية في فلسطين.
من هذا المنطلق، فإن المدخل الصراعي التعاوني هو المدخل المستمر، والأرجح أن يستمر، لأن الدول العربية لا تستطيع أن تتحمل كلفة الصراع المباشر مع إيران، ومن ناحية أخرى لا تستطيع أن تتحمل كلفة التعاون بالشكل الذي طرحه الرئيس نجاد في القمة الخليجية.
المدخل الرابع والأخير هو المدخل الأمثل أو مدخل بناء القوة العربية، وربما يبدو هذا المدخل بعيدًا في ظل الظروف الحالية. يختلف هذا المدخل عن المداخل الثلاثة السابقة في نقطة أساسية؛ وهي أن المداخل الثلاثة السابقة (التعاون – الصراعي – التعاوني الصراعي) انطلقت من فكرة أن إيران هي المشكلة، فبينما المدخل الرابع يتعامل مع المشكلة على أنها تكمن في العرب، فإيران لها قوة مبالغ فيها، لأن الجانب العربي بالغ الضعف.
وفيما يتعلق ببناء قوة عربية، فربما تكون نقطة البداية هي الإرادة السياسية، فإيران حتى عام 1990، كانت دولة مدمرة اقتصاديًا ومعزولة سياسيًا، فضلاً عن الخلل السكاني الذي تعانيه، ولكنها أرادت أن تُغَيِّر هذا الوضع ونجحت، هذا هو المدخل المثالي.
وتطرح الورقة في النهاية تساؤلاً مهمًا يتعلق بإذا ما قررت الولايات المتحدة ضرب إيران، لاسيما وأن هذا أمل عند كثير من العرب، لأن الكثير منهم يريدون ضرب إيران داخليًا، وإن كانوا لا يجاهرون بذلك، وهناك أكثر من دولة عربية، وليس بالضرورة الشعوب، ولكن النخب العربية هي التي تريد أن تتخلص من إيران.
وإذا ما حدث وقضت الولايات المتحدة على إيران، من يتولى تأديب تركيا أو إثيوبيا أو إسبانيا، ومن الذي يقضي على أي دولة تتطاول على الحرمات العربية؟ وشكرا .

د. مصطفى اللباد

شكرًا ٍسمو الأمير على الدعوة الكريمة ، ومتشرف بالحضور الكريم مع الدكتور مصطفى الفقي ، والدكتور وحيد عبد المجيد، والحضور الكريم .
تتناول هذه الورقة المشروع الإقليمي الإيراني من منظور جيوبولتيكي، وتحاول قدر الإمكان البعد عن الأيديولوجيا مقابل استعمال مصطلحات ومفردات الجيوبولتيك الأساسية، ربما تكون زاوية جديدة في المناقشة.
إيران دولة إقليمية كبيرة لها دور تاريخي في المنطقة، وتأثير ثقافي متواصل على جوارها الجغرافي. ودائمًا كانت إيران تنفتح على النظام الدولي أو تتصادم معه وفقًا لرضاها عن حدود أدوارها الإقليمية المتاحة لها ضمن هذا النظام.
من ناحية أخرى، كان دائمًا الطموح الإقليمي الإيراني هو شرعية حكامها المحلية، فأنظمة الحكم التي تعاقبت على حكم إيران، وبغض النظر عن أيديولوجياتها السياسية، فقد وضعت الطموح الإقليمي لبلادها علمًا على سياساتها.
وبالعودة للتاريخ، نجد أن إيران كانت دولة سنية، لكن المشكلة هنا ليست في سنيتها أو شيعتها كما تدعي بعض المقولات الرائجة، والتي تختصر المشروع الإيراني في طبيعته الشيعية، فالأمر ليس كذلك، لأن إيران كانت سنية ثم تشيعت، بقرار من الشاه عباس الصفوي 1501م. والحقيقة أن هذا كان قرارًأ سياسيًا وليس مذهبيًا لأنه أراد أن يرفد دورًا إقليميًا لإيران في مواجهة العثمانيين في مذهب سياسي مغاير، ولذلك هو سار على الأقدام من أصفهان عاصمة مُلكه حتى النجف كربلاء مساحة 1300 كم على الأقدام، وكان في ضريح الإمام علي، وكان أول حاكم يُطلق على نفسه كلب عتبة علي. وكان هذا هو اللقب الذي اختاره لنفسه وكتبه على العملة المعدنية.
ولم يكن هذا التصرف يرجع إلى تطرف من حكام إيران شيعيًا، لأن الحاكم كان يحارب رجال الدين الشيعة إذا ما رأى أنهم يهددون حكمه. إذن الموضوع أساسه جيوبولتيكي / استراتيجي بمقاييس هذا الزمن. الأمر الثاني في هذا السياق يتعلق بالملف النووي الإيراني، فالطموحات النووية الإيرانية كان هدفها الأساسي تعزيز الدور الإقليمي لإيران في منطقة تقع على أطرافها قوى نووية بالفعل بسبب امتلاك كل من الهند وباكستان وإسرائيل للسلاح النووي. ولكن الطموح الإيراني يختلف عن الطموح الباكستاني والهندي والإسرائيلي من ناحية أن مجالات تطبيقه هي منطقة الخليج العربي، وهي إحدى أهم المناطق في الاستراتيجيات العالمية، ولذلك يصطدم المشروع الإيراني موضوعيًا بمصالح دولية ومخاوف عربية.
وتنقسم هذه الورقة إلى خمس نقاط :

أولاً : المحددات الجغرافية للمشروع النووي الإيراني
الخريطة الإيرانية تشبه القطة، بحيث يكون رأسها في الشمال الغربي عند تركيا وظهرها يكون عند آسيا الوسطى وبطنها الرخو عند منطقة الخليج.
والسؤال المطروح هنا ، هو كيف تتعامل إيران مع ذلك ؟
أولاً : تركيا، ومنذ 500 عام ، تمثل مشروعًا مغايرًا لإيران، مشروع الدولة العثمانية الذي شَكَّل عازلاً أمام إيران. والكل يتذكر موقعة جالديران في عام 1514، والتي من وقتها انتظمت الحدود الإيرانية التركية بشكل لم يمس حتى يومنا هذا، وبالتالي كان التمدد الإيراني نحو تركيا غير ممكن .
ثانيًا : منطقة آسيا الوسطى بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي المنهار هي أحد أركان التفاعهم الإيراني الروسي في المنطقة، فبحكم تحالفات إيران الدولية مع روسيا، تعلم إيران أن طموحاتها الإقليمية في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى ستصطدم بالمصالح الروسية التي تعتبر تلك المنطقة حديقتها الخلفية، ولذلك كانت إيران دائمًا تلعب دور المهديء في هذه المنطقة، وهو ما فعلته بالفعل إيران أثناء الحرب الأهلية في طاجيكستان ؛ حيث كان هناك حزب إسلامي يمتلك شعبية أكثر من الحكومة التي وجدت بعد ذلك، وتدخلت إيران لدى هذا الحزب ونجحت في إبرام اتفاق بين الحكومة الموالية لموسكو والحزب الإسلامي يسمح بسيطرة الحكومة.
وهذا الأمر لا يعني أن إيران تتحالف مع روسيا، لأن روسيا لا تُشكِّل السقف الدولي لإيران، وإنما هي تتحالف معها في إطار سياسة خارجية معينة . إذا شكلت تركيا مشروعًا مغايرًا لإيران، ومنطقة آسيا الوسطى تركتها إيران طواعية لروسيا. وباكستان تشكل عائقًا أمام إيران، فمواردها الطبيعية محدودة مثل النفط، وعدد سكانها ضخم، وهي قوة نووية، الأمر نفسه ينطبق على أفغانستان؛ حيث لا توجد بها موارد طبيعية.
تأسيسًا على ذلك، فإن الظروف الموضوعية تؤدي بإيران إلى التوجه لمنطقة الخليج لتلعب هذا الدور، وتبدو المنطقة العربية مهيئة أكثر لدور إقليمي بسبب افتقادها إلى المشروع والمشروعية. وواقع الأمر أن المنطقة العربية لا تملك مشروعًا، لا في مواجهة إيران ولا غير إيران، وبالتالي فإن النظام العربي الرسمي فارغ أيديولوجيا، ويستمد مشروعيته الأساسية الآن من الحفاظ على التنمية والاستقرار وحل الصراع العربي الاسرائيلي على قاعدة تسوية ما مع الطرف الإسرائيلي، وهو ما لم يتم حتى الآن.
أيضا عملية التناوب على السلطة في الدول العربية الرئيسية والحراك السياسي ليس على ما يرام، على الأقل ليس بمستوى الحراك الموجود في إيران أو تركيا، ولذلك الجاذبية السياسية للنظام السياسي سواء في تركيا أو في إيران هي أقوى بكثير مما هي لدى النظام العربي الرسمي الذي يفتقد إلى المشروع والمشروعية، وهو ما يدفع إيران إلى استغلال هذا الظرف والتمدد في المنطقة في ظروف مهيئة.
بمعنى آخر ؛ إن المشروع الإيراني يتغذى على الإخفاقات التي يعاني منها النظام العربي الرسمي، وهذه الإخفاقات تُشكِّل حلقة مفرغة، تعود ليستخدمها النظام الإيراني مرة أخرى لخدمة مشروعه الإقليمي.


ثانيًا : البناء الاستراتيجي للمشروع الإيراني :
المشروعات الإقليمية وليس فقط المشروع الإيراني تتضمن عناصر متباينة، ولذلك لا يمكن اختصار مشروع إيران الاستراتيجي على أنه امتداد وتمدد عبر شيعة منتشرين في المنطقة، فهذا عامل، ولكن هناك عوامل جغرافية وعوامل تاريخية وبشرية، كما يكون أيضًا من غير الصحيح اختزال المشروع الإيراني في مجرد "تصدير ثورة" أو محاولة لتشييع المنطقة .
يشبه مشروع إيران الاستراتيجي الهرم متعدد الطبقات، بحيث تكون الطبقة الأولى من الهرم هي منطقة الخليج، ثم يأتي المشرق العربي كطبقة ثانية. أما الطبقة الثالثة من الهرم فهي القدرات العسكرية الرادعة، وقمة الهرم هي القدرات النووية.
ويُراعي هذا الهرم الذي هندسه صانع القرار الإيراني عدة اعتبارات؛ أولها، أن إيران هي الدولة الشرق أوسطية الوحيدة غير المنضوية في أحلاف دولية أو إقليمية، فإسرائيل لها علاقات مع الولايات المتحدة والناتو، وكل الدول أحلاف إلا إيران، هي فقط عضو مؤتمر منظمة الدول الإسلامية، وتحاول أن تكون عضوًا في منظمة مؤتمر شنغهاي، حتى تستظل بسقف دولي.. لكن روسيا والصين المتحالفتان مع إيران لا تريدان إفساح هذا المجال لها، رغم أن كل ما تسعى إليه إيران هو الحصول على صفة مراقب. ولذلك فهي تريد الانخراط في مجلس دول التعاون الخليجي على استحياء ولكن وفقًا لشروطها.

ثالثًا : منطقة الخليج العربي في الاستراتيجية الإيرانية :
كانت منطقة الخليج العربي دائمًا ساحة للتفاعل بين ضفتي الخليج، لا سيما وأن العامل الثقافي الإيراني كان دائمًا حاضرًا ليس فقط في منطقة الخليج ولكن في الدول العربية، فاللغة العربية بها مفردات فارسية، بمعنى آخر أن إيران ليست هابطة بالبارشوت من خارج المنطقة، وإنما هي كيان أصيل في هذه المنطقة .
والواقع أن إيران تملك العديد من أوراق المنطقة؛ أولها عامل الديموجرافيا، فبمقارنة عدد سكان إيران بعدد سكان البحرين، نجد أن عدد سكان إيران أكثر مائة مرة من عدد سكان البحرين، وأكثر 95 مرة من سكان قطر، وأيضًا أكثر من سكان الكويت 25 مرة، أما من ناحية المساحة الجغرافية، فنجد أن مساحة إيران تفوق مساحة البحرين بأكثر من 2478 مرة، وتفوق مساحة قطر بأكثر من 144 مرة، ومساحة الكويت بأكثر من 92 مرة، فقط إيران تعادل ثلاثة أرباع مساحة المملكة العربية السعودية.
وإذا كانت هذه الأرقام لا تعني في حد ذاتها الشيء الكثير، فإنها إذا ما جمعت في حزمة واحدة فهي تعني الاختلال في الموازين الديموجرافية، والقدرات الثقافية، وبالتالي القدرات العسكرية لمصلحة إيران.
الخلاصة أن بطن إيران الرخو الذي يشبه القطة يُشكِّل عامل قوة لإيران وليس عامل ضعف، ومن خلاله تستطيع التمدد في منطقة الخليج، والتحكم في مضيق هرمز الذي تمر منه 40% من الطاقة المصدرة للعالم، وهذا جنبًا إلى جنب قدراتها الصاروخية.

النقطة الرابعة تتعلق بمنطقة المشرق العربي في الاستراتيجية الإيرانية .
لا شك أن منطقة المشرق العربي كانت ولاتزال الترمومتر الذي يقيس عليه العرب التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، والصراع العربي الإسرائيلي كان هو المحك الذي تُقاس عليه سياسة دول المنطقة.
وتختلف منطقة المشرق العربي عن منطقة الخليج، في أنها مكونة من فسيفساء، وخليط من الطوائف والمذاهب، ولا تملك نفس الموارد الطبيعية التي تملكها منطقة الخليج، ولكنها في الوقت نفسه تعتبر منطقة المشروعية العربية.
والواقع أن التعامل الإيراني مع منطقة الخليج العربي يختلف عن التعامل مع منطقة المشرق العربي، ففي الوقت الذي تعلم فيه إيران أن أوراقها الردعية لن تستطيع أن تغلق مضيق هرمز ولو على سبيل التجربة، إلا أنها تحتفظ بها كورقة ضغط، جنبًا إلى جنب نفوذها المتنامي بين الجالية الإيرانية في دول الخليج وقوتها العسكرية، ولكنها تريد في حقيقة الأمر الوصول إلى تعادل، خاصة وأن إيران تعلم تمام العلم أن منطقة الخليج هي منطقة، مدولة بسبب المصالح الدولية المتعلقة بالنفط، ومن ثم فهي تريد مقاسمة الحضور الدولي النفوذ في المنطقة، وتحاول عبر أوراق الضغط لديها دون أن تفكر بالطبع في استعمال هذه الاوراق في منطقة الخليج نظرًا لحساسية المنطقة، لذلك هي تحاول من ناحية أخرى أن تضع أوراق الضغط لديها موضع التطبيق في منطقة المشرق العربي.
وحتى يحقق المشروع الاستراتيجي الإيراني أهدافه في المشرق العربي، توجب عليه مد حضوره الإقليمي إليه، مستغلاً مجموعة من الاسباب الذاتية والموضوعية. يتصدر الأسباب الذاتية؛ افتقاد المنطقة إلى قيادة بطلة تشعر بها الجماهير العربية، قيادة قادرة على حل الصراع العربي الإسرائيلي وإحداث معدلات تنمية حقيقية، فضلاً عن تعطش المنطقة إلى تداول للسلطة كما يحدث في دول الجوار.
تأسيسًا على ذلك، تستطيع إيران أن تتمدد في منطقة المشرق العربي ومنازلة الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة، كما حدث بالفعل في الحرب اللبنانية 2006، ولعل انتصار حزب الله في هذه الحرب، كان انتصارًا إيرانيًا بامتياز، فقد أسقطت إيران صواريخها على حيفا بالوكالة، في الوقت الذي عجزت عنه الصواريخ العربية.
يبقى القول إنه من الخطأ اعتبار أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، هو مجرد شخص راديكالي "مهووس"، لأنه يعلم جيدًا ما يدلي به من تصريحات ضد إسرائيل وضد الهولوكست، ويعلم أنه سيخسر دوائر غربية، ولكنه في الوقت نفسه يهدف إلى سحب التأييد والمشروعية من النظام العربي الرسمي وتعميق الفجوة بين الشعوب العربية وحكامها، فالرئيس نجاد لا يغرد خارج السرب، كما يقول البعض، بل إنه الأقدر بعد إسرائيل على تقسيم الأدوار .
إذن المشروع الإيراني يريد النفاذ إلى معادلات المشرق العربي عبر تعميق الفجوة بين الشعوب العربية وحكامها، وإظهار إيران وكأنها المدافع الأول عن القضية الفلسطينية وعن لبنان، وللأسف فإن سوء الأداء الدبلوماسي العربي يساعد على تحقيق هذه المهمة لإيران.
أما بخصوص النفوذ الإيراني في العراق، فهو قائم بالفعل ومن قبل سقوط النظام السابق، ولكنه ازداد بعد سقوط نظام صدام حسين، وتولي الحلفاء السلطة في بغداد بغطاء أمريكي، بمعنى آخر فإن الحضور الأساسي في العراق قائم بين إيران والولايات المتحدة مقابل تقلص الحضور العربي.
ولعل المحادثات التي قام بها كروكر مع الطرف الإيراني خير شاهد على ذلك، لأن هناك اتفاقًا على نقاط عمل مشتركة، وهناك بالفعل مصالح إيرانية أمريكية في العراق من الناحية الجيوبوليتيكية، وليس من المنظور الأيديولوجي.
أما فيما يخص التحالف الإيراني – السوري فهو أمر واقع، فالنظام السوري يمثل همزة الوصل بين تمدد إيران عبر العراق وحزب الله في لبنان، كذلك تبدو الإشارة هنا واجبة إلى أن الأداء العربي فيما يتعلق بسوريا وتركها لقمة سائغة في التحالف الإيراني السوري في غير مصلحة العرب. وعلى الرغم من التسليم بحقيقة أنه من غير الممكن في هذه اللحظة التاريخية أن يُطلب من سوريا قطع علاقاتها مع إيران، فإن تركها لقمة سائغة في أيدي إيران هو أمر ليس صائبًا عربيًا. ورغم أن العلاقات التارخية بين البلدين منذ الرئيس حافظ الأسد، فإن هامش المناورة السورية في المنطقة لم يكن يمثل هذا الضيق كما هو عليه الآن. والواقع أن إيران ليست في حاجة إلى واسطة سورية لمد نفوذها في العراق، وإنما استخدمت تحالفها مع سوريا لمد نفوذها الأول مع حركة أمل في لبنان في بداية الثمانينيات، ثم الآن مع حزب الله الممثل الأكبر للطائفة الشيعية في لبنان، ويرتبط حزب الله في علاقاته الأساسية بإيران ثم بسوريا التي تملك فقط رموزًا وشخصيات، ولكنها لا تملك تحالفات ترتكز إلى طابع طائفي في لبنان، ولا يمكن لعب دور سياسي في لبنان بدون خلفية طائفية .ٍ
وبالتالي إيران هي اللاعب الأول في لبنان وليس سوريا. ولذلك المنطقة الممتدة من معبر خانقين في غرب إيران مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان وحتى غزة في الأراضي الفلسطينية المحتلة هي أرضية يمكن أن نقول إن الحضور الأول فيها كان للولايات المتحدة وإيران، فالأولى باعتبارها القوة الأعظم، والثانية أفلحت في استثمار الإخفاقات العربية والأمريكية في المنطقة لتصبح الند لها.
النقطة الخامسة والأخيرة تتناول القدرات العسكرية والنووية ومشروع إيران الإقليمي.
الواقع أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تشن حربًا على إيران، فهناك أوراق رابحة بيد إيران لا تقتصر فقط على قدرات طهران العسكرية، فهذا غير صحيح، لأن القوة العسكرية الأمريكية هي الأكبر في تاريخ البشرية وفي تاريخ الإمبراطوريات التي شهدها العالم.
تستطيع الولايات المتحدة تدمير الكرة الأرضية 200 مرة، ولم تملك قوى إمبراطورية مثل هذه القدرة، وهذه الإمكانية في التاريخ، ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة مثلها مثل كل القوى دائمًا، عندما تحسب حساباتها في الحروب، دائمًا ما يكون الهدف المتوخي هو هل يمكن تحقيق هذا الهدف بغير القوة العسكرية وهل يمكن النجاة من التأثيرات السلبية ؟
الواقع أن الولايات المتحدة أفلحت في احتلال العراق لكنها تواجه صعوبات جمة بسبب هذا التواجد، ومن ثم فهي تريد أن تتعكز على إيران، بمعنى أنها إذا كانت تريد الخروج من العراق، فلن تقبل أن تخرج مهزومة، وإلا ستخرج من كامل المنطقة، وعندئذ سيكون النظام الإيراني هو الرابح بطول وعرض المنطقة، وهذا أمر غير مسموح به أمريكيًا، سواء أكان الجالس في البيت الأبيض بوش أم حسين أو باما.
انطلاقًا مما سبق، تبدو أهمية ما ورد في تقرير الاستخبارات القومية الذي ظهر في الشهر الماضي، ليس في كونه يبريء إيران، ولكنه يفتح ثغرة في باب العلاقات الأمريكية الإيرانية، ويشرع الأبواب أمام اتفاق محتمل، يُغير شكل المنطقة وإطاراتها التحالفية.
باختصار يمكن القول إن طهران ليست قوة تغيير جذرية تعادي المصالح الأمريكية في المنطقة، كما كان المشروع الناصري الذي قاده الرئيس جمال عبد الناصر، ولكنها قوة براجماتية تعارض نسق المصالح الأمريكية في المنطقة ولا تقف ضدها. بمعنى آخر؛ إن إيران تمر بلحظة تَحوُّل وتبحث فيها عن النصيب الأكبر من المصالح لتعظيم حضورها، وإزاء ذلك لا يمكن اعتبار إيران شيطانًا، فهي ليست إسرائيل.
والتناقض الأساسي في هذه المنطقة – كما يقول الفيلسوف الألماني هيجل – يكمن في التفريق بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي، فالتناقض الرئيسي هو إسرائيل والتناقض الثانوي هو إيران التي لا تقف بالفعل ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، ولذلك من غير المحتمل توجيه ضربة أمريكية إليها، لأن إيران تملك الإفراج عن الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، وفي كامل المنطقة، فضلاً عن قدرتها على توجيه ضربات من نوع إغلاق مضيق هرمز، واستهداف مرافق النفط والغاز في المنطقة بما فيها آبار النفط والغاز في مياه الخليج.
وقد ألمحت إيران في أكثر من مناسبة إلى قدراتها على استهداف هذه المناطق، لكن إيران لا تريد فعل ذلك، إنما هي أوراق ردعية ولن تستعملها، ولكن تبقى كاحتمال نظري.
وتؤشر الأوراق الردعية التي تحوزها إيران، من نوع قدرتها على إغلاق مضيق هرمز واستهداف المنشآت النفطية، إلى أن هناك فراغًا في المنطقة، وإيران تملأ هذه الفراغ بفعل إخفاقات النظام العربي وبفعل إخفاقات السياسة الأمريكية في المنطقة التي تضغط، منذ 11 سبتمبر 2001، على الدول العربية الرئيسية سواء السعودية أو مصر، وهذا الضغط يعود لتستثمره إيران وتحالفاتها الإقليمية في المنطقة ، لتتمدد أكثر.
الخلاصة أنه لا يمكن التعامل مع إيران وكأنها بلد يريد تصدير الفكر الشيعي إلى المنطقة، فبالرغم من أن الموضوع الشيعي هو موضوع غربي بالأساس لإيجاد فرقة بين المسلمين، فالشيعة يُشكِّلون في أفضل تقدير 15% من المسلمين في العالم، يتركز ما بين 40 إلى 50% منهم، في المنطقة الجغرافية الواقعة من إيران والعراق وشرق السعودية وباقي منطقة الخليج. وفي القضايا الجيوبوليتيكية والاستراتيجية، لا يرتبط الأمر بالغالبية العددية بقدر الدفع الذاتي بامتلاك مشروع يشكل عامل ضغط، وقد أتاح تواجد الشيعة كصدفة جغرافية وجيولوجية في هذه المنطقة الحساسة، للمحافظين الجدد ورقة مهمة لإعادة تشكيل المنطقة. وفي ظل وجود هيمنة سنية من الغرب وحتى العراق بدون النظر إلى أيديولوجيات الأنظمة الحاكمة، كان التفكير الغربي لتفتيت هذه الكتلة الواحدة الأساسية، غير إدخال عناصر أخرى، وعوامل تفجير داخلية ومنها الشيعة.
وهذا لا يعني في حقيقته أن الشيعة غير عرب أو أنهم أقل عروبة أو ولاءً للإسلام من إخوانهم السنة، ولكن الجيوبولتيك يعتبر موضوع الأقليات ورقة من أوراق اللعب، ولذلك فإن العجز العربي للتعامل مع الشيعة كمواطنين، تعود إيران لاستثماره لخدمة مشروعها الإقليمي مرة أخرى.
النتيجة النهائية التي يمكن الخلوص إليها هي أنه لا يستقيم أن تكون هناك علاقات مصرية إسرائيلية ، فحين تبقى العلاقات مع إيران مقطوعة، في الوقت نفسه لا يجوز التغاضي عن حقيقة أن إيران لاعب رئيسي في المنطقة منذ العام 2003 على الأقل، وننكر ذلك، ثم نعود الآن لإعادة العلاقات مع إيران، فليس هكذا تتخذ القرارات !.
أما فيما يتعلق بالعلاقات الخليجية الإيرانية، فقد تحدث الرئيس الإيراني خلال حضوره القمة الخليجية عن حرية انتقال للأفراد والسلع والبضائع، وهو أمر يشير في حقيقته إلى ذكاء إيراني. فعلى سبيل المثال إذا ما اتيح للأفراد حرية الانتقال دون تأشيرات، فمن المحتمل نظريًا أن يصل في أسبوع واحد عدد الزوار الإيرانيين إلى المنطقة، إلى أكثر من عدد سكان البحرين، نظرًا للفارق الديموجرافي الهائل بين إيران ودول الخليج.
تأسيسًا على ما سبق طرحه، فإن إيران المفتقدة إلى غطاء إقليمي أو تحالفات إقليمية - تريد الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، ولكنها لا تطرح ذلك صراحة، فهي تريد الانضمام على قاعدة أنها الطرف الأكبر، ومقترحاتها دائمًا تسهم في أن الفوائد تعود عليها بشكل أكثر من دول الخليج مجتمعة.
الواقع أن دول الخليج كانت محقة في دعواتها إيران لحضور اجتماع مجلس التعاون الخليجي، فالدعوة كانت بمثابة اعتراف خليجي بالواقع الجيوبولتيكي الجديد بعد احتلال العراق، وقد استغرق هذا الاعتراف 4 سنوات من أبريل 2003 إلى ديسمبر ،2007 حين وجهت الدعوة للرئيس نجاد لأول مرة في القمة الخليجية.
يبقى القول إن إيران قوة براجماتية في المنطقة لها حضورها، ولها أدواتها، ولا يمكن مقاطعتها والتعامل معها كأنها إسرائيل، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن التسليم لإيران بكل ما تريده دفعة واحدة، لأن هناك ثغرة تستغلها الاستراتيجية وهي فصل مسارات الخليج العربي عن مسارات المشرق العربي ومصر في قلبه، وقد تؤدي إلى المزيد من تآكل القدرات العربية في مواجهة المشاريع الإقليمية المختلفة.
النقطة الأخيرة وهي أنه إذا كان النظام العربي منذ السبعينيات، قام على أساس ربط مصر بعوائد النفط الخليجية من طريقين هما، العمالة المصرية في الخارج، والإيرادات من قناة السويس.
غير أن الواقع يشير إلى أن العمالة المصرية تتقلص، وعائدات قناة السويس تستمر على حالها، وبالتالي هناك فجوة، ومن ثم فإن دائرة الريع في المنطقة المربوطة بها مصر، تبدأ تهتز. وهذا الاهتزاز يعود ليحدث فجوة بين المواقف المصرية والمواقف الخليجية، لينفذ من خلالها غير العرب إلى المنطقة وفي مقدمتهم إيران.
إذن ينبغي علينا التعامل مع إيران كطرف سوف يستمر لعقود مع المنطقة، والتعامل معه أيضًا كمحور رئيسي في المنطقة، وأن المشروع الإيراني لن ينتهي في يوم أواثنين، ولا يمكن اختصاره في طابعه الأيديولوجي الإسلامي ولكن في طابعه الإقليمي المعتمد على حسابات جيوبوليتيكية لا تُقابل لدينا نحن العرب بحسابات مماثلة.

سمو الامير
الحقيقة هناك ملاحظات سريعة وليست في صلب الموضوع، أولها التعداد السكاني لمملكة البحرين والمقدر بـ 650 ألف نسمة، ربما يكون قد تجاوز حساب العمالة الأجنبية وليس كلهم عرب.
د. مصطفى اللباد :
الحساب هنا لعدد السكان المعترف به دوليًا، كما أن التقدير هنا لعدد السكان وليس المواطنين أو من يحمل الجنسية، وذلك لتجنب الدخول في مفارقات عنصرية من قبيل أن هناك عربي وغير عربي، فعدد السكان يعني السكان غير المواطنين.

سمو الامير

يقال إن عدد سكان السعودية 24 مليون أو 22 مليون، وهم في الحقيقة 14 أو 15 مليون نسمة، بينما الباقي عمالة أجنبية، منهم 1.5 مليون مصري، والعمالة المصرية لا تتقلص.

د. مصطفى اللباد :
الحديث ليس عن السعودية، لكن عن مجمل العمالة المصرية في الخارج .

سمو الأمير :
إن دولة خليجية ما يقارب 80% أو 85% من سكانها أجانب وأكثرهم هنود، لهو مؤشر في مننتهى الخطورة بالنسبة للتركيبة السكانية في الخليج. وقد تناول فهمي هويدي، في إحدى مقالاته في جريدة الأهرام عن تركيا، موضوع المجتمع المدني، وقال : المجتمع المدني متكيء على الحكومة، لأن هناك مؤسسات خيرية تصرف على المجتمع المدني. على كل حال التجربة التركية الإسلامية ممثلة في أردغان وجماعته تحتذي من كل المسلمين (أنا هذا رأيي) تجربة ناجحة، وإن كانت بعض الأصوات الأوروبية تعارض هذا الكلام. وتخشى ولا تزال، لأن 99% من تركيا مسلمين، ولكن التجربة التركية الإسلامية هي تجربة رائدة بالطبع.
اثنان وعشرون دولة مفككة وليس لديها مشروع يمكن أن يجمعهم تجاه أي جهه، سواء إيران أو أمريكا أو إسرائيل أو .. أو ..
واقع الأمر أن القمم العربية التي تعقد كلها فاشلة أو معظمها، فكيف يمكن الحديث عن مشروع عربي بدون تضامن عربي، بدون هدف محدد متفق عليه. وهنا يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤل رئيسي وهو هل يمكن أن يكون هناك مشروع عربي تجاه إيران، أو غير إيران ؟ ومن ثم كيف يكون هناك تعاون عربي – إيراني .
أمة متفرقة من 22 دولة ، حالتها الداخلية متعثرة. السياسة الخارجية ليست قائمة على أسس علمية صحيحة، أمة تخشى الذبابة وليس فقط أمريكا وقوة أمريكا. فهل يعقل تعاون الضعيف مع القوي اليوم.
وفيما يتعلق بالاقتصاد العربي فهو اقتصاد حر من الناحية النظرية وليس من الناحية العلمية والعملية، وإن كان اقتصادًا مفتوحًا ولكنه مفتوح لكل من هب ودب. ولكي نكون ندًا لأي دولة أو جهة، لابد من توافر قوة عسكرية واقتصادية وثقافية وعلمية.
فالدول التي تقدمت لم تسبقنا إلا بالتعليم، وأيضًا بإعطاء دور أوسع للمجتمع المدني.
هذه الأمور يجب أن ندركها، فالمجتمع المدني في العالم العربي ضعيف، وهناك قوانين تشرع له وتقيده هنا وهناك. لذا لا يمكن لأي حكومة عربية أن تقف على قدميها إلا بقوة المجتمع المدني.
الأمر الثاني : إيران وإسرائيل
منذ أيام قريبة أثيرت ضجة، وقيل إن كثيرًا من اليهود تركوا إيران إلى إسرائيل، وقد تركوها من أنفسهم، ونفت إيران على لسان أحد زعمائها أنها ليس لها يد في تهريبهم من إيران، وجدير بالذكر أن عدد اليهود في إيران يقدر بـ 25 ألفًا.
وواقع الأمر أن الوجود اليهودي في الدول العربية ليس جديدًا، وكانوا يتمتعون بحقوقهم كاملة، فقد كان وزير المالية يهوديًا في مصر والعراق في الثلاثينيات. ولكن، الآن على سبيل المثال، مصر أفرغت من الأجانب وكان هذا خطأ كبير وكأنها بدت ضد الآخر .
يبقى القول إن المجتمعات العربية تعاني تخلفًا وضعفًا على كل المستويات التكنولوجية والصناعية والزراعية وغيرها من ناحية، ومن ناحية أخرى ليس هناك قيادات عربية يعتد بها.
وبالعودة إلى الوضع الإيراني، فهناك استراتيجية إيرانية واحدة لا تتغير في جوهرها وإن اختلفت في أشكال وأدوات تنفيذها .
أما العرب فإن أي اختلاف في وجهات النظر بينهم، يشتتهم ويفرقهم. وفي المقابل، وبالنظر إلى الولايات المتحدة، فإن لديها سياسات ورأي عام متباين ومع ذلك لا يؤدي إلى التشتت أو الاضطراب. إن مجرد أي كلمة واحدة في أي وسيلة إعلامية عربية تثير غضب طرف ما، قد يترتب عليها إلغاء اجتماع أو حتى التضحية بمصالح الأمة.
لقد انعدمت الثقة بين الدول العربية، وربما كان المثال الحي على ذلك تصريحات وزيرة العمل المصرية بشأن تصدير الخادمات إلى إسرائيل، فقد قامت الدنيا ولم تقعد، بينما هناك خادمات من الفليبين والهند وغيرها تعمل في دول الخليج.
ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب، فمازالت بعض الفئات المصرية عندما تريد مقابلة أمريكي، تشترط أن يكون هناك مندوب من وزارة الخارجية، الأمر الذي يُعبِّر عنه حالة الخوف التي تنتاب المجتمع، ولكن الخوف من مَنْ؟ ولماذا الخوف بالأساس؟ فالمطلوب تفعيل حالة الحوار مع الآخر وليس التشكك فيه.

الانتباه للمجتمع المدني واحتواء الإخوان :
ينبغي الانتباه لدور المجتمع المدني في الداخل العربي من ناحية، ومن ناحية أخرى احتواء الإخوان المسلمين. لقد أصبح الإخوان موجودين في البرلمانات العربية، البرلمان الأردني والبرلمان المغربي والبرلمان المصري، وهم أقوى تجمع إسلامي في العالم العربي، والصدام معهم قد لا يجدي ولا يفيد، إذن الخلل موجود في الداخل. داخلنا نحن بشكل أو بآخر.
يجب الانتباه لمثل هذه الأمور حتى ندرك المخاطر التي تنتظرنا في المستقبل، فقد يكون هناك صدام مقبل بين هذه الفئات. والمثال على ذلك ما حدث في لبنان والذي كان في حقيقته انتصارًا لإيران.
الحقيقة أن إيران فارسية قبل أن تكون شيعية، ولكنها تستعمل السلاح الشيعي إذا خدم مصالحها، وهناك تجمعات شيعية في الخليج منها السعودية، أو العالم العربي، مهضومة الحقوق، فأصبحوا مثلهم مثل أطفال الشوارع تركوا منازلهم بعد أن عجزوا عن الحصول على حقوقهم.
الشيعة لابد أن يعطوا حقوقهم ويلتزموا في الوقت نفسه بواجباتهم مثل أي مواطن مسلم، حتى لا ينفروا ويتجهوا إلى " قم " أو " سرساري ". الشيعة هم الذين احتلوا الجزر الثلاث أيام الشاه. وجاءت الثورة الإيرانية ولم تغير من الأمر شيئا رغم أن الإمارات بقيادة الشيخ زايد كانت تطالب بالتحكيم بالمحكمة الدولية، ولكن إيران دائمًا ترفض.
إيران الثورة بكتابات إحدى الصحف الغربية، تدعى وطبقًا لما ورد في الصحيفة، أن البحرين جزء من إيران، الأمر الذي يعني أن هناك مطامع إيرانية في الأرض العربية، وهو ما يجب أن نذكره ونتوخى الحذر بشأنه. ورغم ذلك لا يمكن أن نضع إيران في مصاف إسرائيل، وإن كان ينبغي الحذر منها.
والقوة الحقيقية هي القوة العسكرية، ولكن القوة العسكرية تتطلب أن يكون العرب متضامنين، لأنه في حال افتقاد قوة عسكرية عربية لمواجهة إسرائيل سيكون الحال نفسه مع إيران التي تنتشر بالمنطقة ووفقًا للمخطط الذي رسمته لنفسها.
الوضع العربي أصبح شبيهًا بالمعركة التي احتدمت بين حماس والسلطة الفلسطينية بشأن الذهاب إلى أنابوليس، فحماس منتخبة وهم منتخبون. والسؤال هنا هل هناك اتفاق عربي على قضية فلسطين، كل ما يمكن عمله هو تهريب الأكل والسلاح وما إلى ذلك عبر الدول الملاصقة للأراضي الفلسطينية، فليس هناك رؤية استراتيجية عربية لدعم القضية الفلسطينية، الأمر الذي يدل على مدى الضعف العربي. إيران تتابع وتغذي الضعف العربي وتتمدد على حساب هذا الضعف، وليس فقط بسبب أطماعها.
واقع الأمر يدعو للتشاؤم، والولايات المتحدة لن تقدم مساعدة لأحد في المنطقة حتى هؤلاء الذين يعتقدون أنهم أصدقاؤها أو توهمهم هي بأنهم أصدقاءها، خاصة وأن إيران ليست ضد الوجود الأمريكي بالخليج لأنه يخدم مصالحها من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الوجود الأمريكي في المنطقة من أجل البترول وليس لحفظ التوازن.
مجمل القول إن الوجود الأمريكي في المنطقة قائم بهدف حماية البترول. والحقيقة أن حالة الضعف التي يعاني منها الجسد العربي تعود بالأساس إلى بعض أطرافه، فعلى سبيل المثال بعد أن دعمت الدول العربية العراق في حربها ضد إيران، انقلب العراق وجيشه على المنطقة، فقتل في الشيعة وفي السنة وفي الأكراد، فصدام حسين ما ترك إنسان إلا وأذاه.
عندما ذهبت لصدام قال لي : إنت تعرف إخوانك دول .. كنت أتمنى أذبحهم ذبح الشاه، لكن الآن لا يا طلال على راسي، فلماذا ساعدوه؟!

متحدث :

في أي عام يا سمو الأمير ؟

سمو الأمير :

عام ،1981 ذهبت إلى هناك، وقال لي: أخوانكم نفسي أذبحهم ذبح. دموي. لكن الأمل قائم وإن لم يكن اليوم فغدًا، ولكن الأمل لابد أن يكون مبنيًا على أسباب وقواعد.

السفير محمود شكري
التنظير في مثل هذا الموقف الذي نعالجه يضر ، والأوفق أن نلجأ إلى الأسلوب الذي نتعامل به في وزارة الخارجية ، وفي جهات صنع القرار ، والاعتماد على نموذج تقدير الموقف السياسي ، أو الاستراتيجي للموقف .. وهذا الأسلوب يفرض أن نتعرف أساسًا على إيران كما هي ، ثم على ضوء ذلك نطور البحث ، إلى استشراف لما ستكون عليه إيران .
فإيران ترى أنها حاليًا في وضع غير مريح ، لكونها مرفوضة كقوة إقليمية فاعلة، ومحاصرة لمنعها من الوصول إلى تحقيق هدفها الاستراتيجي ، الذي يتناسب مع قدراتها وإمكانياتها الحقيقية – سواء الاستراتيجية أو الجيواستراتيجية أو الاقتصادية أو خلاف ذلك.. ولقد اتفقت كل الآراء ما بين الدكتور مصطفى الفقي ، ود. نيفين مسعد ود. مصطفى اللباد على أن هناك كيانًا يفرض نفسه كمعامل جيواستراتيجي ، يجب التعامل معه بجدية .
ومن هذا المنطلق ، فإنني أبدأ بتحديد المعالم الاستراتيجية الإيرانية، كما أراها : فإيران دولة لها وزن استراتيجي وجيواستراتيجي ، يلزم احترامه ، ووضعه في إطاره الصحيح، عند تدارس وضع مخطط سياسي للتعامل معه .. كما وأننا نبسط الأمور كثيرًا عندما نتحدث عن وجود إرادة عربية موحدة يمكنها أن تتعامل مع هذا الموقف .. وفي هذا الإطار فإنني أتفق مع سموكم في أن المشروع العربي المستقبلي حلم لا يمكن أن يتحقق .

سمو الأمير

هذه مصيبة .

السفير محمود شكري

واستطرادًا في الطرح ، فإنني أرى أن مشروع احتواء إيران في هذه المرحلة ، غير وارد، ومن حيث البداية فإنني أرى أنه ليس هناك منظور عربي واحد للتعامل مع إيران من المنطلق السياسي والجيواستراتيجي.. ذلك أن هناك منظوران وهما: منظور دول المشرق العربي ، ومنظور دول الخليج العربي .
1- أبدأ بمنظور المشرق العربي ، لأوضح أنه من المنطلق البراجماتي ، والجيواستراتيجي ، فإن من مصلحة دول المشرق العربي أن يكون لها علاقات وروابط جيواستراتيجية مع إيران ، وأن عليها أن تبحث في كيفية تفعيل هذا الخيار ، لاعتبار أساسي ، وهو أن الخطر – أو لنقل الخطرين – المحدقين بها – نقصد دول المشرق العربي وإيران – واضحين وضوحًا جليًا، ويتركزان في إسرائيل من ناحية والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى .. ومن هذا المنطلق الأساسي ، فإن على دول المشرق العربي – مرحليًا – أن تبحث في كيفية إقمة الجسور لتحقيق هذه الفرضية .
2- أما عن منظور دول الخليج ، فأنا أعتقد أن المنحى مختلف تمامًا ، لأن المخطط الاستراتيجي الإيراني معروف – حتى منذ أيام حكم الشاه – فقد كانت عين إيران دومًا على الخليج العربي ، باعتباره الامتداد الحيوي ، والهدف الاستراتيجي ، الذي تسعى للهيمنة عليه – ولا أقول هنا استعماره ، إن الهيمنة شئ والاستعمار شئ آخر ، حتى أنها قد كُلفت من الجانب الأمريكي بأن تكون شرطي الخليج .. وما أشرتم سموكم إليه عن فارسية إيران والتواجد الإيراني في الجزر الثلاث – وذكره الدكتور مصطفى الفقي – هو نهج سياسي إيراني ، وليس مجرد تطاول في الكلام أو التعبير .
ولإيجاز ما تقدم ، أرى أنه من مصلحة دول المشرق العربي ، أن يكون هناك نوع من التوافق في المواقف السياسية ، بخصوص المهدد الإسرائيلي والأمريكي الإقليمي ، أما عن الدول الخليجية ، فإنني أرى أن مشروع التعاون الاقتصادي والأمني الذي طرحته إيران في قمة الدوحة ، فيه قدر من الطموح المغالى فيه من جانب إيران ، والتبسيط في التصور أن الدول الخليجية سوف تقبل بهذا الطرح ، نظرًا لتيقن المتابع للشأن الإيراني بالمطامح الإيرانية في منطقة الخليج . آتي إلى نقطة ثانية : هل تسمحوا لي سموكم بأن أكملها ؟

سمو الأمير :

أكمل

السفير محمود شكري

بالنسبة لموضوع إسرائيل ، فأنا لا أعرف لماذا أتصور العلاقة بين إيران وإسرائيل على أنها علاقة ثيولوجية أو علاقة تستند للدين ، ذلك أن تصوري أن هناك عداءً استراتيجيًا ، موجودًا ، ويتحتم وجوده بين الاثنين ، وإن لم يكن موجودًا الآن فسيكون موجودًا بعد هذا .. لسبب بسيط ، وهو أن الاثنين تتجه أنظارهما إلى أهداف إقليمية واحدة وهي السيطرة الإقليمية على المنطقة العربية مع اختلاف الأسلوب.
فأولاً : أنا أتصور أن إيران عندما تستعمل ورقة المشرق العربي في هذه المرحلة، فهي لا تعتبرها من منظورها الاستراتيجي ، هدف نهائي ، وإنما هي وسيلة عبور ، أو ورقة ضغط ، تمكنها من الوصول إلى هدفها الأساسي الذي أشرنا إليه سابقًا ، وهو الوصول إلى الهيمنة على منطقة الخليج بصورة أو بأخرى، وتستغل في هذا الإطار أن هذه المنطقة فقيرة ، ورخوة سياسيًا ، ولا تزال نظمها السياسية في حالة غربلة ، أي أنها تمر بمرحلة ولادة لنظام سياسي جديد ، أقرب ما يكون للنظام الديمقراطي الغربي – وهو ما لن يتحقق ، إلا أنه هو ما تسعى إلى تحقيقه – فضلاً على أنها تقدر أن القيادات الموجودة حاليًا – والتي ترفض نمط التعامل الجيواستراتيجي مع إيران – ليست مخلدة ، وأن هناك قيادات بديلة سوف تأتي للحكم ، وتقدر أهمية تحقيق هذا الترابط الاستراتيجي في المصالح بين دول المشرق العربية وإيران في المستقبل الملحوظ ، ففضلاً عن أن العلاقات بين إيران ودول المشرق العربي – حتى منذ أيام حكم الشاه – كانت متأرجحة ، فعلاقاتها مع الأردن كانت توصم بأنها علاقات بين ملوك – أي ملك الأردن وشاه إيران – كما وأن علاقاتها مع مصر قد تراوحت بين القطيعة وبين الاحتواء ، فعندما خرجت مصر من المنظومة العربية بعد كامب ديفيد ، تلقفها الشاه ، وبدأ يغدق على نظام السادات بمزايا سياسية ومالية كبيرة ، إلى أن توترت العلاقات بعد ذلك – بعد نظام الخميني .. وعندما نبذت سوريا ، واستبعدت مؤخرًا من جانب الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية – بل ومن بعض الدول العربية – بعد أحداث لبنان الأخيرة ، تلقفتها إيران وأقامت ما يطلق عليه بالعلاقات الاسترايتيجية الإيرانية / السورية ، من هنا فإن علاقات إيران مع منطقة المشرق العربي تقوم على النهج البراجماتي ، وأود أن أشير إلى أنني أتفق مع الدكتور مصطفى الفقي على أن عين إيران في هذه المرحلة ليست على سوريا ، وإنما على تشييع لبنان .

سمو الأمير

صحيح

السفير محمود شكري

ذلك أنني أقدر ، أن جعل لبنان مرتكزًا للوجود الشيعي في هذه المنطقة ، يعتبر خللاً في المنظومة العربية ، ويجب من منظوري كمحلل سياسي ، بل ومن وجهة النظر الاستراتيجية ، أن يؤخذ هذا الموضوع بشكل جدي .
أما عن المرامي الإسرائيلية الجيواستراتيجية ، فإن إسرائيل لا تسعى إلى الهيمنة على منطقة الخليج ، وإنما اختراق دول الخليج عن طريق التطبيع ، وفرض هيمنتها على منطقة المشرق العربي كمجال حيوي ، وكامتداد استراتيجي لها .. فهي تهدف إلى إحياء منظومة الهلال الخصيب ، وتحل هي محل فلسطين في هذه المنظومة .. ذلك أن هذه المنطقة تُعتبر أغنى المناطق العربية على إطلاقها – فمنطقة الخليج لديها ثروة بترولية إلا أنها ليست لديها موارد طبيعية مثل منطقة الهلال الخصيب التي تضم لبنان وسوريا والعراق والأردن ، إضافة إلى فلسطين التي ستحل إسرائيل محلها بتقدمها التكنولوجي والعلمي والتقنيات الحديثة التي تمتلكها .. وبذلك تكون إسرائيل قد حققت الهيمنة الاقتصادية والجيواستراتيجية الإقليمية من ناحية ، فضلاً عن تعظيم علاقاتها مع الولايات المتحدة استراتيجيًا من ناحية أخرى ، وأخيرًا تكون قد وصلت إلى مرماها بالاستفادة من اختراق دول الخليج وتوسيع إمكانات التعاون والامتداد الإقليمي الشرق أوسطي معها .
تبقى هنا نقطة أخيرة يلزم أن نتطرق إليها ، وهي موقفنا من التقارب الإيراني العربي في مضمونه الحقيقي – أو الجيوبوليتيكي من إطار براجماتي – وهنا يلزم أن نقر بما ذكرته آنفًا من صعوبة التعامل مع هذا الموضوع من إطارعربي شامل، وإنما من أُطر عربية مختلفة – مشرق عربية ، وخليجية وغيرها – كما وأن علينا أن نقوم الموقف بأسلوب واقعي ، وأن نحدد المعطيات ، والسيناريوهات والخيارات المتاحة ، ثم بعد ذلك ، علينا أن نحدد موقفنا .. وهنا يلزم أن يكون لنا وقفة مع أنفسنا ، ولا نساير الواقع .. يعني لازم يكون لنا الحق أن نقول لا .. وآتي هنا إلى صلب الموضوع ، وهو التقارب الإيراني مع دول مجلس التعاون الخليجي ، وهنا يلزم أن يكون هنا توحد في مواقف الدول الخليجية – في إطار مجلس التعاون الخليجي ، إلا أن المجال لا يزال مفتوحًا لتنوع المعاملات بين دوله – إلا أن الميزة الكبرى التي تتوحد في إطارها مجموعة دول المجلس ، هي الاتفاق في الرؤى الاستراتيجية ، واتفاق في الخط السياسي الذي يربطها ببعضها، لتوحد الخطر والمخاطر التي يمكن أن تتعرض لها .. ومن هنا فإنه يلزم توحد المواقف الخليجية في إطار دول مجلس التعاون الخليجية – لأنها من منظورنا مستهدفة في المرحلة القادمة لاعتبارات عديدة ليس هنا المجال لتناولها .. أما عن دول المشرق العربي ، فإننا نستبعد فرضية توحد مواقفها في المستقبل، وأن أقصى ما نطمح إليه هو توحد مصالحها الأساسية .. هذا مع حتمية تثمين رؤية مشتركة للمواقف ، أو التوافق على الخطوط الرئيسية كحد أدنى .. لأنه في غيبة الإرادة السياسية للعالم العربي ، فلا أقل من أن يكون له عقل .. وشكرًا سمو الأمير .
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الملتقى الاول لصالون الفاخرية فني الموقع صالـــون الفاخريــــــة 0 15-11-2008 12:12 PM
18 دولة تشارك في الملتقى العلمي لمراكز التوحد مختارات صحفية الحوارات العامة 0 10-11-2008 11:32 AM
الشرق الأوسط الجديد (الجزء الثاني) د. علي منير حرب الحوارات العامة 0 15-06-2007 05:15 AM
سأخون وطني للماغوط: شجار عائلي(20) عبد الباسط خلف مكتبة المنتدى 0 29-01-2007 11:17 AM
الصحافة الإسلامية في الكويت د.طارق أحمد البكري مكتبة المنتدى 0 02-06-2006 08:24 PM

الساعة الآن 06:30 AM.
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011

designed by : csit.com.sa