العودة   منتدى حوارات الفاخرية > حوارات الفاخرية > صالـــون الفاخريــــــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-11-2008, 11:14 AM
صالون الفاخرية صالون الفاخرية غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 6
الملتقى الثاني لصالون الفاخرية - الجزء الأول ( ورقة العمل )

العرب وإيران والمعضلة النووية : نحو تقدير عربي
لواقع القدرات النووية الإيرانية


د. محمد عبد السلام

إن إحدى مشكلات المنطقة العربية في تعاملها مع أزمة البرنامج النووي الإيراني هي أن لا توجد تقديرات محددة – أو على الأقل هذا ما يبدو ظاهريا – لطبيعة النشاطات النووية الإيرانية ، فيما يتعلق بالتمييز الواضح بين القدرات النووية السلمية والقدرات النووية المزدوجة ذات الطبيعة المدنية – العسكرية من جانب ، أو إمكانية تحول القدرات النووية المزدوجة باتجاه امتلاك أسلحة نووية من جانب آخر ، وذلك في الوقت الذي توجد فيه تقديرات مختلفة ، أمريكية أو إسرائيلية أو دولية ( IAEA) ، أو حتى روسية ، تتفاعل على الساحة الاقليمية ، استنادا على معلومات أو افتراضات لا يمكن قبولها أو رفضها ببساطة ، ويتطلب الأمر التعامل مع تلك المسألة بشكل جاد يقدم مؤشرات تمثل تقييما عربيا خاصا لقدرات إيران النووية .
وتهدف هذه الورقة إلى محاولة فتح الطريق لنقاش متخصص حول تلك المسألة ، للتوصل إلى بعض الخلاقات التي يمكن أن تشكل أساسا لتقدير عربي خاص بواقع القدرات النووية الإيرانية ، واحتمالات تطورها في المستقبل ، والتأشيرات الاستراتيجية المحتملة لذلك. استنادا على ما هو متوفر من بيانات شبه مؤكدة حول النشاطات النووية الإيرانية ، وفي إطار افتراضات تستند على ما يمكن اعتباره مصالح عربية مشتركة ، تستند على التوجهات المعلنة أو المفهومة للدول العربية الرئيسية المعنية بتأشيرات العامل الإيراني في الشرق الأوسط .
وبداية ، فإن الأسس التقليدية لتقدير الموقف النووي لأية دولة توجد شكوك بشأن نشاطاتها النووية ، تتمثل – بصفة عامة – فيما يلي :
1- تقييم القدرات النووية ، ويرتبط هذا العامل بمدى قدرة الدولة على إنتاج الأسلحة النووية ، فهناك مستويات من القدرات النووية تتباين بمدى واسع بين امتلاك مرافق نووية أولية ترتبط باستخدامات محدودة للتكنولوجيا النووية وامتلاك برامج نووية متطورة . كما أن هناك متطلبات علمية – تكنولوجية عسكرية إضافية يتحدد على أساسها ما إذا كانت الدولة قادرة على إنتاج " جهاز نووي " أم لا ، أو تحويل تلك الرؤوس النووية إلى " نظم تسليحية " نووية فلا توجد علآقة مباشرة أو بسيطة بين حيازة الإمكانيات وصناعة الأسلحة .
لكن كانت هناك دائما مشكلة تتصل بكيفية تقييم قدرات الدول فيما يتعلق ببنيتها النووية ، فتقيم مستويات القدرات النووية المتوافرة لدى دول تثير أوضاعها أزمات نووية ، يواجه عدة إشكاليات عملية ، أهمها :
أ- أن دورة الوقود النووي تتسم أ؛يانا بتعقيدات يصعب الجزم معها ، حتى بالنسبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ذاتها ، عبر فترات معينة ، بإمكانية تجاوز " الخط العسكري " من عدمه ، بفعل مشكلة التكنولوجيات النووية الحساسة ، والمواد والمعدات مزدوجة الاستخدام ، خاصة إذا تم إدخال عنصر السرية التي تفرضها الدول أحيانا على نشاطاتها في الحسبان ( أنظر ملحق رقم 1 الخاص بدورة الوقود النووي ) .
ب- حدوث اختراقات عديدة بالفعل لمعاهد منع انتشار الأسلحة النووية من جانب دول مختلفة مثل كوريا الشمالية والعراق وليبيا ، ومعظمها عسى لإنتاج أسلحة نووية عبر برامج سرية اتبعت طريقة اليورانيون التي تعتمد على رفع نسبة نظير اليورانيوم -235 الموجودة في اليورانيوم الطبيعي بنسبة 0.7 إلى نسبة 90-95 في المائة تقريبا لاستخدامه كمادة انشطارية لصناعة القنبلة .
ج- وجود ميل مسيطر لدى صانعي السياسة وجماعات منع الانتشار ، في عواصم عديدة، أهمها واشنطن ، لعدم التمييز Non Distinction بين القدرات النووية المدنية والبرامج النووية العسكرية ، وافتراض أن من السهل القفز من النشاطات السلمية إلى البرامج التسليحية، خاصة بالنسبة للدول التي تصنفها على أنها معادية أو " غير حليفة " لها ، بل والدول الحليفة لها أحيانا ، بما يؤدي إلى تقديرات مربكة .
إن مشكلة تقييم القدرات لا ترتبط بحالات محل جدل فقط ، مثل إيران ، وإنما تثير إشكاليات حادة في حالات أخرى ، كاليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل والأرجنتين وجنوب افريقيا .
2- تحليل الدوافع النووية : يرتبط هذا العامل بمدى قوة دوافع امتلاك السلاح النووي لدى دولة واستمرارية هذه الدوافع أو العوامل المشكلة لها ، لفترة زمنيو طويلة دون تغيير . وقد اهتمت كتابات مختلفة – مثل تحليل القدرات النووية – بتحليل هيكل الدوافع والضغوط والأسباب التي تدفع الدول نحو السعي لامتلاك أسلحة نووية ، مركزة على دافع الأمن ، ثم دافع المكانة ، باعتبارهما النافعين الأكثر أ÷مية ، وإن كانت كل حالة تطرح تعقيداتها الخاصة بهذا الشأن ، فليست هناك تصورات حاسمة بشأن الكيفية التي تفكر بها اليابان ، مثلا في المأزق النووي الذي يواجهها ، أو كوريا الجنوبية وتايوان أيضا ، وهي دول تواجه مواقف حادة في الوقت الذي تمتلك فيه قدرات نووية ، في ظل دوافع شديدة التناقض .
المشكلة أن تحليلات منع الانتشار النووي قد أدخلت – استنادا على فكرة الدواقع النووية – ميكاننيزمينن رئيسيين في إطار عملية تقييم " المعلومات الخاصة بالنشاطات النووية في الأقاليم ، خاصة الشرق الأوسط ، هما :
أ- تحليل النوايا Intentions Analysis ، فعندما يحاول صانعوا السياسية أن يقوموا بفرز وتصنيف التقديرات الاستخباراتية الخاصة بأ،شطة نووية معينة ، فإنهم يقومون عادة بالنظر إلى قدرات ونوايا الدولة المستهدفة على قدم المساواة . ويستند تحليل القدرات على المعلومات الفنية التي تم جمعها من خلال أقمار التجسس والخدمة السريى والعمل الميداني ، أما تحليل النوايا ، فإنه يبنى في الغالب على طبيعة التوجهات السياسية للدولة ، والتقديرات الاستخباراتية ، وسجل التعاون مع المفتشين الدوليين ، إضافة إلى بعض " الأدلة الظرفية " والشكوك المحددة ، ورغم أنه يمثل معيارا غير موضوعي في بناء التقديرات، إلا أنه يظل هاما في فهم السياسات وإدارة الأزمات .
ب- منطق سيناريو أسوء حالة Worst Case Scenario Thinking ، فقد أصبح صانعوا السياسة ، خاصة في واشنطن ، يميلون بشدة إلى التزام جانب الحذر المبالغ فيه في التعامل مع مشكلات الانتشار النووي ، عبر تصور سيناريوهات لا تستند على حد أدنى من المعلومات المتماسكة أحيانا ، وتدعم هذا الاتجاه بفعل بعض المؤشرات التي تتوالى باستمرار حول نشاطات نووية عسكرية في أقاليم مختلفة ، ورغم أن هذا المنطق قد أثبت مصداقية أحيانا ، فإنه أدى إلى ظهور تقديرات سيئة مسيسة في كثير من الأحيان ، إلا أنه منطق واضح في حالات مختلفة أهمها المشكلة الإيرانية عبر مراحلها المختلفة وصولا إلى " حلقتها الراهنة " .
في هذا الإطار ، فإن المحدد الرئيسي الذي حكم التقديرات التي تناولت البرامج النووية " المثيرة للجدل " ، هو أن القضية الجوهرية ، لا تتعلق بمفهوم القدرات النووية بأبعادها المدنية المتصلة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية ، وإنما بالعلاقة بين امتلاك القدرات النووية وامتلاك الأسلحة النووية ، لكن هذه الورقة – في سياق تركيزها على بناء تقدير عربي – تفترض أن الأبعاد الاستراتيجية لحيازة القدرات النووية في حالة إيران ترتبط بتأثيرات امتلاك البرامج المدنية ، واحتمالات التحولات العسكرية ، معا .
إن الحقائق البسيطة بمكونات دورة الوقود النووي لدى إيران ، تشير إلى أنها تمتلك برنامجين نووين وليس برنامج نووي واحد ، فهناك برنامج إقامة محطات الطاقة النووية الذي يعتمد حاليا على مفاعل بوشهر ، والتوجهات الخاصة بالتعاقد على مفاعلات طاقة جديدة ، وهناك برنامج آخر مزدوج ( هو الذي يثير الأزمة الحالية ) يعتمد على منشأة تخصيب اليورانيوم في تاتانز ، في الأساس ، ثم محاولات بناء مفاعل يعتمد على اليورانيوم الطبيعي والماء الثقيل في آراك ، ويمكن طرح ما يتعلق بهما كالتالي :
أولا : الأبعاد الاستراتيجية لبرنامج الطاقة النووية المدني في إيران .
إن الفكرة العامة هي أن برامج الطاقة النووية ، لا تعد بالضرورة عنصر قوة استراتيجي – بالمعنى السائد في المنطقة – بالنسبة للدول ، فهناك حوالي 443 مفاعل طاقة نووي يعمل في العالم لدى أكثر من 30 دولة ، فلا يوجد ما يشير إلى أن دول مثل السويد وفنلندا وليتوانيا وأسبانيا وسويسرا وهولندا والتشيك ورومانيا وبلجيكا وبلغاريا والمكسيك ، وغيرها من الدول التي تمتلك مفاعلات طاقة ، تتعالم مع تلك المفاعلات على أ،ها عنصر قوة استراتيجي ، يتجاوز كونه مصدر طاقة يتعلق باقتصاديات الدول .
وهكذا تبدو المسألة بسيطة في بداياتها ، فالدول التي تمتلك قدرات نووية ، ليست في الحقيقة دولا نووية ، بالمفهوم التقليدي الذي يرتبط بامتلاك الأسلحة النووية ، لكن حالة الشرق الأوسط تشهد وضعا مختلفا ، على مستويين :
1- أنه تم التعامل مع القدرات النووية من جانب دول المنطقة ، بفعل خبرات امتلاكها ومحالات امتلاكها إقليميا ، على أنها تتعلق بـ " عامل استرايجي " ، يمارس تأثيراته خارج نطاق كونها " سلعة " ، أو يمكن استخدامها وفقا لأتنماط لا تقتصر على المنافع العادية ، ويتجاوز الاهتمام بها حدود النطاق الجغرافي للدولة التي تحوزها ، ويتم النظر إليها وفقا لذلك تبعا لمنطق خاص ، كما يثار تقليديا بشأن النفط والقمح ، فهي مجرد عنصر قوة تكنولوجية واقتصادية للدولة .
2- أنه تم التعامل معها من جانب الأطراف الخارجية على أ،ها قد تمثل عنصر قوة استراتيجي أيضا ، وبالتالي كان ما يتعلق بالقدرات النووية يثير اهتمامات خارجية ، كما يتجاوز التعامل معها فكرة " الحقوق القانونية " أو " الجوانب الفنية " إلى التوجهات السياسية التي لم يكن يمكن تجنبها في كل الأحوال ، فإضافة إلى وجود القيود التي تفرض على مكونات تتعلق بها من جانب تجمعات الموردين النوويين مثل " نادي لندن " ، بدا وكأن هناك مبدأ لوقف انتشار التكنولوجيا النووية المتطورة في المنطقة ، من جانب أطراف دولية مختلفة.
لقد كانت لدى معظم الدول العربية منذ بداية الثمانينات خططا متفاوتة الجدية لإقامة برامج نووية مدنية ، وبعيدا عن الدول التي سارت في اتجاه إقامة برامج نوية عسكرية سرية لامتلاك أسلحة نوية ، مثل العراق وليبيا ، كانت لدى مصر والجزائر والأردن والمغرب ، وحتى تونس وسوريا ، إضافة إلى برامجها النووية البحثية ، تصورات بشأ، امتلاك مفاعلات طاقة نووية ، لكن كل تلك البرامج إما أ،ها كانت متوقفة بفعل عدم توافر المقومات الداخلية لإنشائها أو بسبب العرقلة الخارجية لقيامها ، أو لظروف خارجة عن سيطرتها كمخاوف ما بعد عام 1986 بشأن الحوادث النووية .
وقد استمر هذا الوضع في ظل تركيز بعض الدول العربية الرئيسية كمصر والجزائر على تطوير برامجها النووية البحثية ، بامتلاك مفاعلات أ:ثر تطورا وأكبر قدرة ، في ظل شغوط مستمرة من جانب الرأي العام والمؤسسة النووية باتجاه ضرورة إحياء برامج الطاقة النووية المتوقفة .
كان عام 2003 هو نقطة التحول بالنسبة لها ، فقد حققت إيران ، الدولة المجاورة التي لا تخل علاقاتها مع معظم الدول العربية من توترات ، اختراقا على مستوى برامج الطاقة النووية ، إذا أكملت تقريبا بناء مفاعل بوشهر ، مع الحديث عن بدء الاستعداد وقتها لتشغيله واستغرق الأمر عامين تقريبا لتبدأ الدول العربية في إدراك أ، قواعد اللعبة قد تغيرت، حسب تعبير شهير للملك عبد الله عاهل الأردن ، ولتتخذ تباعا قرارات بإعادة إحياء برامجها النووية ، بصرف النظر ( في تلك المرحلة ) ع، الاحتمالات العسكرية المتعلقة بظهور إيران نووية في المنطقة ، وتمثلت أبعاد هذا التطور المتعلق بمفاعل بوشهر ، فيما يلي :
1- أنه بدأ الاعتراف لأول مرة في الإقليم ، بفكرة الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ، فلم تكن الولايات المتحدة تميز عادة بين امتلاك برنامج عسكري ، وامتلاك برنامج مدني ، وقد أنهت الأزمة النووية الإيرانية هذه الفكرة ، في ظل تحول موقفها من مفاعل بوشهر وعدم قدرتها على إيقاف تشغيله ، وعدم اعتراضها على قيام روسيا في النهاية بإمداد إيران بوقود المفاعل ، وبالتالي وجدت الدول التي كانت راغبة لوقت طويل في امتلاك برامج نووية مدنية أنها يمكن أن تفعل ذلك هذه المرة بدون مشكلات خارجية كبيرة ، أو هكذا قدرت.
2- أن فكرة امتلاك برامج نووية مدنية لأهداف خاصة بالطاقة قد أصبحت خارج النقاش ، مع الوقت ، فقد تمكنت إيران من استكمال بناء مفاعل بوشهر ، على الرغم من عدم قدرتها على إقناع الأطراف الأخرى بشكل كاف ، بدوافعها الخاصة بالطاقة ، بفعل كونها دولة نفطية كبيرة ، وبالتالي لم يعد أحد يتحدث كثيرا عن الدوافع ، حتى بالنسبة للمشروع النوي الخليجي أو الجزائري أو الليبي ، وأدت صدمة أسعار النفط في الفترة التالية إلى تحول " أمن الطاقة بجدية إلى قضية أمن قومي بالنسبة للدول غير النفطية الأخرى ، متجاوزة تأثيرات المشروع النووي الإيراني .
3- أن خبرة بناء مفاعل بوشهر ذاته قدمت دروسا هامة لتجنيها من جانب الدول العربية ، فإحاطة البرامج النووية بحالة من " الصخب السياسي " أو السياسات الثورية ، كما أن السعي لتخصيب اليورانيوم ، أو اتباع أسا ليب غير شفافة ، قد يعطل إقامة مفاعلات الطاقة المدنية ذاتها ، فلم يدخل مفاعل بوشهر ذاته مرحلة التشغيل على الرغم من مرور حوالي 33 سنة على بداية انشائه ، على الرغم من اعتماد إيران في بنائه على شريك خارجي قوي ، قادر على المقاومة ، هو روسيا الاتحادية .
وهكذا ، فإن تلك الورقة تطرح فكرة محددة تنطلق بسمة أساسية يفترض أن يتسم بها أو بتقدير عربي لقدرات إيران النووية ، وهي أنه يجب أن يتم الاهتمام بمفاعل بوشهر بمثل ما يتم الاهتمام بمنشأة ناتانز ، فالبرنامج النووي المدني الإيراني يفرز تأثيرات هامة بصرف النظر عن امتلاك إيران أو عدم امتلاكها في المستقبل لأسلحة نووية ، وهنا يجب التفكير في عدة نقاط :
أ- أنه يجب الاستمرار في تأييد حق إيران المطلق في الاستخدامات السامية للطاقة النووية ، طالما التزمت بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية ، وحقها في تشغيل مفاعل بوشهر المدني ، بصرف النظر عن كل ما يقال بشأن حاجتها أو عدم حاجها للطاقة النووية ، فذلك المبدأ يدعم حق الدول العربية في الاستمرار في اتجاهاتها الخاصة بإقامة برامجها النووية المدنية ، لكن ستظل هناك مشكلتين :
- هل تدعم الدول العربية فرض اجراءات إضافية ، كالبروتوكول الإضافي ، على مفاعل بوشهر ، فتلك المسألة سوف تثار في الحالات العربية التالية؟
- هل تدعم الدول العربية حق إيران في امتلاك دورة الوقود النووي كاملة ، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود ، تحت أقصى قدر من الضمانات الدولية ؟
ب- أن على دوائر صنع القرار في الدول العربية أن تتبع سياسة معلنة مفادها أنه لم يعد من الممكن السماح بعرقلة البرامج النووية العربية بأية صورة من جانب " أطراف خارجية ". طالما تتعلق المسألة ببرامج سلمية ، لا تتضمن تكنولوجيات تثير المخاوف ، وتقام بالتعاون الكامل مع الشركاء الدوليين ، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية ، فيما يشبه التزام منها أمام الرأي العام الداخلي ، بقدر ما يمقل رسالة موجهة إلى الخارج ، فقد استخدمت إيران قدراتها النووية كعنصر قوة استراتيجي بشكل مبالغ فيه ، وسوف يتصاعد ذلك بصورة أكبر من قدرة بعض الدول العربية على الاحتمال سياسيا ، عندما يبدأ تشغيل مفاعل بوشهر .
ج-أنه يجب البدء في التفكير بقائمة من الأسئلة التي ينبغي توجيهها إلى إيران ، بشأن مفاعل بوشهر ، ومجمل خططها النووية المدنية في المستقبل ، لتلافى مخاوف بعض الدول العربية ، كالكويت ، بشأن التأثيرات البيئية المحتعملة لتشغيل المفاعلات الإيرانية ، ومستويات أمان تلك المفاعلات ، والمواقع التالية للمفاعلات الأخرى ، وحتى لو لم تجب عليها إيران ، أو لم تجد أ،ها ملزمة بفعل ذلك ، فإنها ستمثل عنصر يضع إيران – ولو بمستوى محدود – في موقف دفاعي ، ويتيح حوارا نوويا جادا معها في المستقبل .
ثانيا : الأبعاد الاستراتيجية لبرنامج تخصيب اليورانيوم " المزدوج " في إيران.
إن الفكرة العامة هنا هي أن امتلاك إيران للقدرات النووية ذات الوجهين ، السلمي والعسكري ، قد أدى إلى مخاون غير محددة لدى بعض القوى الإقليمية الرئيسية في المنطقة بشأن الطريقة التي توظف بها إيران شئونها النووية ، حتى لو لم تكن تنوي في النهاية امتلاك سلاح نووي ، فالرئيس الايراني أ؛مدي نجاد يتحدث عن إيران النووية وكأنها قوة إقليمية عظمى ، وليس مجرد دولة تمتلك تكنولوجيا حديثة ، وفي ظل تدخل إيران في الشئون الداخلية لحوالي 5 دولة عربية ، وتصاعد ما يسمى للظاهرة الشيعية في الإقليم ، لكن ظلت الاحتمالات الخاصة باتجاه إيران فعليا نحو امتلاك الأسلحة النووية هي الأكثر خطورة ، بالنسبة لأمن الدول العربية الرئيسية ، خاصة مصر والسعودية .
لكن فيما يتعلق بتأثيرات مثل تلك الاحتمالات ، كانت هناك حالات عدم توافق حادة داخل الدول العربية بشأن التأثيرات المحتملة لامتلاك إيران أسلحة نووية ، بين تيار يرى أن مثل هذا التطور قد يمثل دعما للمصالح العربية في اتجاه إيران دولة إسلامية مجاورة تمثل قدراتها عنصر قوة إضافي للدول العربية ، خاصة إذا تحولت الدولة نحو الاعتدال كما بدا في فترة حكم خاتمي ، وتيار يرى أ، قوة إيران النووية يمكن أن تمثل عنصر " توازن " في مواجهة أسلحة إسرائيل النووية ، التي لا يبدو أنه لا يمكن التفكير ببساطة في إمكانية إزالتها، دون وجود عامل أمني ضاغط على حالتها الدفاعية ، واتجاه ثالث يرى أن حدوث ذلك سيمثل تهديدا ، ليس فقط لأمن ومكانة الدول العربية ، لكن أيضا لاستقرارها السياسي .
إن هذه الورقة ، تتبنى التيار الثالث ، الذي يعبر على أي حال عما هو سائد داخل الدوائر الرسمية في الدول العربية الرئيسية ، فامتلاك إيران اسلحة نووية سيؤدي إلى حدوث تغير استراتيجي في المنطقة ، منن حالة الاحتكار النووي الاسرائيلي الحالية ، إلى حالة من الانتشار النووي المستندة على نموذج القطبية الثنائية في الإقليم ، وكل المؤشرات تؤكد أن الدولتين أن تكونا راغبتين في نزع اسلحتهما في إطار صفقة تبادل كبرى ، وسوف تفضل إسرائيل وإيران الاحتفاظ بسلاحهما النووي ، وبالتالي فإنه بدلا من وجود مشكلة واحدة هي إسرائيل ستكون هناك مشكلتان هما إسرائيل وإيران .
إن التداعيات المحتملة لظهور ذلك الوقع في المنطقة ، وفق تلك الاحتمالات ، ستكون معقدة بالنسبة للدول العربية ، على النحو التالي :
1- أن هناك أسئلة سوف تتصاعد طوال الوقت في مواجهة الدول العربية الرئيسية ، بشأن سلوكها المحتمل في ظل امتلاك إيران أسلحة نوية ، وقد بدأت تتصاعد فعليا في الوقت الحالي ، حتى في ظل عدم حدوث ذلك ، بما قد يقود نحو عرقلة مسيرتها الخاصة بإقامة برامج نووية مدنية ، أو يدفع في اتجاه فرض قيود إضافية عليها ، تؤدي إلى تأخير البرامج ، أو إثارة الداخل ، أ, التوترات مع الأطراف الخارجية ، أو الضغط على ا لبرامج بعد تشغيلها.
2- أن الدول التي تطرح الأفكار الخاصة بإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الإقليم ، ستجد صعوبة في الاستمرار في هذا الاتجاه ، إذ سيكون عليها أن تنسى مسألة قيام إسرائيل بنزع أسلحتها النووية ، لفترة طويلة قادمة . فسوف يتحول الشرق الأوسط إلى إقليم مشابه لجنوب آسيا ، وقد تعمل الدول فيه في إطار سياسات لإدلارة الانتشار النووي ، المهم أن منع الانتشار – كإطار للتعامل مع المشكلات النووية – سوفينتهي .
3- أن الدول العربية في المنطقة ستجد نفسها في مأزق حقيقي ، فسوق يكون عليها أن تتعامل مع دولتان غير عربيتين تمتلكان الأسلحة النووية ، ولديهما مشكلات مزمنة مع الدول المجاورة لهما ، وسوف تتحكمان معا في وتيرة التفاعلات الإقليمية ، ويمثل صراعهما معا أو تفاهمهما معا سيناريوهات سيئة بالنسبة لدول المنطقة .
لكن ما هي احتمالات امتلاك إيران واقعيا للأسلحة النوية ؟
إن هذا السؤال يمثل أ؛د أهم الأسئلة المركزية التي تتعلق بأي تقدير عربي متصور لقدرات إيران النووية ، فإيران تؤكد أنها لا تمتلك برنامجا نوويا عسكريا ، وأنه ليست لديها نوايا للسعي نحو امتلاك أسلحة نووية ، لكن التقديرات السائدة في الوقت الحالي تشير إلى ما يلي :
أ- التقدير الأمريكي : يؤكد على أن إيران تمتلك برنامج نوويا عسكريا ، استنادا على اتهامات متواصلة خاصة بطبيعة نشاطاتها النووية ، ومؤشرات خاصة باختراقها لاتفاقية الضمانات الخاصة بمعاهدة منع الانتشار النووي ، وتحليل واشنطن لنوايا إيران النووية مع اتباع سيناريوهات تؤكد أن إيران يمكن أن تقوم بتركيب أ<هزة طرد مركزي أكثر من 3000 جهازا ( الرئيس الإيراني يتحدث عن 50 ألف جهاز على الأقل ) ، ثم تنسحب من المعاهدة ، أو توقف عمليات المفتشين ، وقد يؤدي توصيل سلاسل تلك الأجهزة على التوالي ، إلى رفع درجة التخصيب ، واختصار الزمن المطلوب للوصول إلى حجم يكفي من المواد لصنع قنبلة.
وقد أكد تقدير مجلس الاستخبارات القومية الامريكية ، أن إيران كانت تمتلك مثل هذا البرنامج بالفعل ، لكنها قامت بإيقافه عام 2003 ، وأنه ليست لديه مؤشرات قوية حول ما إذا كانت قد واصلت البرنامج ، أو ما إذا كان يمكنها أن تقرر مواصلته ، وأنها لو فعلت ذلك ، سيكون أمامها 3 سنوات لامتلاك مثل تلك الأسلحة ، لكن الإدارة الأمريكية لاتزال ترى أن هناك مؤشرات مقلقة تؤكد أن برنامج إيران النووي العسكري لا يزال قائما .
ب- التقدير الإسرائيلي : يؤكد أن إيران تسير في اتجاه امتلاك أسلحة نووية بالفعل ، في الوقت الحالي ، وأنها يمكن أن تفعل ذلك في مدى زمني قصير اللغاية يتراوح بين عام وعامين على الأكثر . وأنه يجب وقف تلك المسيرة بأية وسيلة ، وتعتمد التقديرات الاسرائيلية علىمجرد أدلة نفي تطرح تساؤلات مشككة في النشاطات الإيرانية ، والتقديرات الأخرى المتعلقة بها ، وعلى نمط تقليدي من التفكير وفقا لسيناريوهات أسوأ حالة متصورة ، دون وجود معلومات محددة .
تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، والتي تؤكد أنها لا تمتلك ما يثبت أن إيران تسعى لامتلاك أسلحة نووية ، وليس لديها ما يكفي من الأدلة لنفي احتمالات أن يكون برنامج إيران النووي عسكريا ، وأنها إذا قررت القيام بذلك ( وفقا لتقديرات د. البرادعي ) ، فإن القدرات المتاحة لها من أجهزة الطرد المركزي (3000 جهازا حتى الآن) ، وما يمكن أن تضيفه إليها ، لا يتيح لها امتلاك مادة كافية لإنتاج سلاح نووي إلا بعد 5 سنوات تقريبا ، وتسعى الوكالة للتحقق من طبيعة البرنامج عبر عملية معقدة تضمنت تقاريرها وصفا تفصيليا لها ( أنظر المرفق رقم 2) ، في ظل تصور بأنه إذا ثبت أن البرنامج لم يكن عسكريا ، فإنه يمكن قبول مستوى من التخصيب لدى إيران تحت الاشراف الدولي .
ولا تقدم كل من روسيا والصين تقديرات محددة بشأن نشاطات إيران النووية ، إلا أن من الواضح أن الدولتان تعارضان استمرار إيران في عملية تخصيب اليورانيوم على أراضيها ، لكنهما تريان أن وضع إيران النووي ليس حرجا ، وأنه لم يصل إلى حد الخطر ، وبالتالي يجب أن يتم التركيز على الحلول التفاوضية ، مع حد أدنى من العقوبات الاقتصادية ، ومعارضة كاملة تقريبا لاستخدام القوة الغعسكرية ضد إيران .
فهل يمكن أن تكون هناك تقديرات عربية مختلفة لقدرات إيران النووية ؟ أم أن تقدير الوكالة الدولية للطاقة التنووية يمثل الأساس ف يالتقديرات العربية الحالية ؟
إن أية دولة عربية لم تعلن عن تقديرات خاصة بها ، فيما يتعلق بقدرات إيران النووية، من زاوية الاحتمالات العسكرية لها، ومعظمها على الأرجح يتعامل معها كواحدة من مجمل الاشكاليات المرتبطة بتوجهات إيران الإقليمية ، لكن للطابع العام للتقديرات النووية العربية . من خلال مؤشرات مختلفة ، يشير إلى التالي :
- فيما يتعلق بتحليل القدرات – فإن نشاطلات إيران النووية ( في ناتانز، وآراك ) قد حملت سمة عسكرية ، فقد كانت إيران راغبة – لو أتيحت لها الفرصة – في أن تسير في الاتجاه العسكري إلى مدى ما ، قد يكون امتلاك خيار نووي ، على غرار كوريا الشمالية ، بل أن تضطر للاندفاع في اتجاه تصنيع السلاح الأول ، الذي لم تنجح عملية اختباره بشكل كامل .
- لكن لين من المعروف – كما هو الحال بالنسبة لكل التقديرات الأخرى تقريبا – أين تقف إيران حاليا ، فيما يتعلق بنشاطاتها النووية ، لكنها على الأرجح تواجه مشكلة في مواصلة البرنامج النووي العسكري المفترض ، وإذا قررت ذلك ، فإن عليها أن تتخذ إجراءات حادة ، تضعها في مواجهة هي غير راغبة فيها .
- أما فيما يتعلق بتحليل النوايا ، فإنه لا توجد ثقة عربية عموما في نوايا إيران النووية، وبالتالي فإن كل الاحتمالات واردة في المستقبل ، ربما بأ:ثر مما تشير إليه التقديرات الأخرى الشائعة ، شهدتها علاقات الجانبين خلال العقود الماضية .
إن الدول العربية – في هذا السياق – لم تتبن أية استراتيجيات معلنة لحل تلك المشكلة بالقوة المسلحة ، كما فعلت حين احتلت القوات العراقية الكويت عام 1991 ، وتبدو جميعا غير رابغة بالفعل في أن يتم شن حرب أ×رى في الشرق الأوسط ، كما فعلت حين اتضحت نوايا الولايات المتحدة لمهاجمة العراق عام 2003 ، لكنها تتبنى استراتيجيات مختلفة لاحتواء إيران أو " الاشتباك " مع إيران في مناطق الصدام المختلفة ، وتدعم في الغالب (دون حملة واضحة) العملية الدولية الخاصة بفرض عقوبات اقتصادية على إيران .
إن الرد العربي الرئيسي على نشاطات إيران النووية ، جاء من خلال التفكير في إقامة برامج نووية مضادة ، قبل أن تتحول تلك البرامج في اتجاهات إضافية ، لقد كان أحد الأبعاد الاستراتيجية التي حكمت تفكير دول المنطقة ، بهذا الشأن ، في البداية ، خاصة بالنسبة للبرامج النووية الخليجية والمصرية والتركية أيضا ، يتمثل في ت حييد تأثيرات الخطاب السياسي الإيراني ، الذي بدت من خلاله القدرات التنووية وكلأأنها تهدد المكانة الإقليمية ، أو الاستقرار السياسي لبعض الدول ، وربما أمنها في المستقبل ، فإيران تتعامل مع المفاعلات النووية وكأنها عنصر قوة استراتيجي يتجاوز كونها محطات كهرباء وطنية ، وفي المقابل سيمثل امتلاك محطات الكهرباء النووية العربية عنصر قوة استراتيجي مضاد .
وفي النهاية، فإن أحد لا يجيب بدقة على السؤال الخاص بما يمكن أن تفعله الدول العربية الرئيسية في إذا امتلكت إيران اسلحة نووية بالفعل ، لكن تصريحات صدرت عن الرئيس حسني مبارك تشير إلى أن مصر لن تقف ساكنة ، وسوف تدافع عن نفسها ، إلا أن ذلك لا يشير إلى أنالدول العربية سوف تتجه لتوسيع دائرة الانتشار النووي بالضرورة ، وإنما يشير إلى مأزق محتمل لا يوجد حل سهل له ، والأرجح أن الرئيس مبارك كان يحذر من وضع تضطر فيه الدول العربية إلى التفكير بتلك الطريقة ، فهو فقط تحذير مبكر ، وبالتالي لا تزال كثير من الأسئلة التي يتضمنه هذا الملف مفتوحة .
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الملتقى الاول لصالون الفاخرية - الجزء الثالث فني الموقع صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 10:52 AM
الملتقى الاول لصالون الفاخرية - الجزء الثاني فني الموقع صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 10:36 AM
المدير العام لمنظمة العمل العربية: نظام الكفيل لم يأت إلا بكل ما هو سلبي.. عبد المنعم مصطفى مبادرات : نظام الكفيــــل في الخليج العربي 0 15-09-2008 11:18 AM
المدير العام لمنظمة العمل العربية: نظام الكفيل لم يأت إلا بكل ما هو سلبي.. وهناك ... عبد المنعم مصطفى حوارات حول التنمية البشرية 0 15-06-2008 02:24 PM
غياب النساء عن العمل النقابي أضاع حقوقهن الخاصة و العامة محمد كريزم حوارات حول المرأة .. حقوقها وحريتها 0 28-05-2006 06:00 PM

الساعة الآن 08:10 PM.
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011

designed by : csit.com.sa