العودة   منتدى حوارات الفاخرية > حوارات الفاخرية > صالـــون الفاخريــــــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-11-2008, 12:11 PM
صالون الفاخرية صالون الفاخرية غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 6
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - ورقة د.حجاج بوخضور

بسم الله الرحمن الرحيم


صاحب السمو الملكى الأمير طلال إبن عبد العزيز أل سعود المكرم "حفظه الله ورعاه وأطال الله بعمره"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
إنه لشرف عظيم لى فى أن أضع هذا الجهد المتواضع لسموكم الكريم، كما هو بالمرفق من الدراسة حول تاريخ عصر النفط، كى نتعرف من خلالها عن البداية فى تكون الوقود الأحفروى، وإنطلاقة إكتشافاته وإستخداماته، ومكانته باللغة والأدب، وفى رحلات المستكشفين الأوائل، وتطور صناعة النفط وكيانات مؤسساته وشركاته، والإستكشافات فى منطقة الخليج العربى، ورموز ألوانه وعلاقتها بأحداث التاريخ، وتطور تجارة النفط فى إنتاجه وأسعاره خلال قرن من الزمن، وقراءة التاريخ من منظور برميل النفط، وإستقراء وإستطلاع لنظرة مستقبلية لتجارته وكيفية تدار لعبتها وقراءة أسواقه، وحجم الإحتياطيات وعلاقته بالدولار والتضخم، ونتوقف عند دعوة للتأمل لكل ما تم إستعراضه. ثم ننتقل إلى التعرف على بدائل الطاقة ومعايير تقيمها، ونستعرض مصادر الطاقة المتجددة والغير متجددة. ثم نتناول نظرية نضوب النفط وكيفية إطالة عمر الطاقة وترشيدها، والحلم الخليجى وأخيرا نناقش ما يجب عمله حتى لاتضيع علينا الفرص.
أرجو أن ينال حسن رضاكم وشاكرا لسموكم بهذا التكليف الكريم وتفضلوا بقبول وافر التحية والإمتنان.

مع خالص تحياتى وإمتنانى

حجاج بوخضور



ندوة مصادر الطاقة فى العالم العربى: الواقع والمستقبل
الأربعاء 21 مايو 2008]
دراسة حول أحداث عصر النفط


حجاج بوخضور


الفهرس
• أحداث عصر النفط
• سبحة الكهرمان وبرميل نفط
• النفط في اللغة
• بداية الاستكشافات والاستخدامات
• الأدب والنفط
• النفط في رحلات ماركوبولو
• أمريكا أرض الأحلام
• 46 مليوناً في الساعة
• ثرثرة في الصحراء
• ألوان النفط
• تطور أسعار النفط خلال قرن
o بين الموب وأوبك
o جمود السعر
o الصدمتان
o تطور الأسعار
o حروب الخليج
o من العشرة إلى المئة
• نظرة مستقبلية لأسواق النفط
o كسر الحاجز
o توقعات قريبة المدى
o رأى وكالة الطاقة
o نقطة الغليان
o الخروج من آلية العرض والطلب
• لعبة التوقعات
• كيف نقرأ مستقبل الأسواق؟
• زبال وشاكل وردة
• حجم الاحتياطيات
• الكل يريد امتلاك سيارة
• تهمة التضخم
• دعوة للتأمل
• بدائل الطاقة
• معايير تقييم مصادر الطاقة
• مصادر الطاقة غير المتجددة
o الغاز الطبيعى
o الفحم
o الطاقة النووية
• مصادر الطاقة المتجددة
o الطاقة الشمسية
o طاقة الرياح (الطاقة الهوائية)
o الهيدروجين
o المد والجزر والأمواج
o الكتلة الحيوية
o الحرارة الجوفية
• نظرية نضوب النفط
• قمة هوبيرت
• كفاءة استخدام الطاقة
• الإمام الغزالى والنفط
• الحلم الخليجي
• حجم المشاريع
• الصيف ضيعت اللبن
• مشاهد مستقبلية


أحداث عصر النفط


سبحة الكهرمان وبرميل نفط

كثير منا من تتلاعب أصابعه بحبات سبحة الكهرب «الكهرمان» تسليةً واسترخاءً وتباهيًا وتدينًا، وبحسب الوزن والنوع بين حجري وشجري، كما يحلو للهواة تصنيفهم لها فإن سعر السبحة يتراوح بين 100 و10000 دولار، وربما أكثر، فسعر جرام بعضه يتجاوز 30 دولارا، وجاءت تسميته بالكهرمان أو الكهرب لخاصيته الكهربائية، فعندما يتم دلكه يلاحظ عليه جذبه لقصاصات الورق، ومعروف أن كلمة كهرباء مشتقة من الكلمة الإغريقية إلكترون، وأصل مادة الكهرمان تكونت من ناتج مواد عضوية على شكل مادة صمغية أفرزتها أشجار صنوبرية كانت الأرض تكتسي بها في العصر الترياسي، وعبر ملايين السنين تحولت المادة إلى شبه متحجرة أحفورية بعد أن تعرضت إلى عوامل بيئية مناخية وجيولوجية، ويعود عمر الكهرمان إلى أكثر من 90 مليون سنة.
وعلى نحو مماثل وفي ذات النطاق الزمني تشكل النفط وهو سائل زيتي أسود مخضر مكون من مواد عضوية متعددة، ويرجع أصل تسميته هذه إلى الكلمة الإغريقية (نافتا)، أما كلمة بترول أو بتروليوم، فمشتقة من كلمتين لاتينيتين هما بترا ومعناها زيت وكلمة أوليوم ومعناها صخر، أي زيت الصخر، وفي مدى نطاق زمني يمتد إلى 300 مليون سنة، وربما إلى عمر تشكل اليابسة من عمر الأرض، تشكلت مادة النفط الذي هو من أصل مادة عضوية نباتية وحيوانية تراكمت ترسباتها في العصور الجيولوجية الأولى وخزنتها بيئة الطبيعة المناخية والجيولوجية تحت التربة لتتعرض بعدها لسلسلة من عمليات الضغط والحرارة الباطنية لتتحول إلى البترول، وتتجمع بكميات هائلة في خزانات تسمى المكامن في مناطق كثيرة من الأرض، وبالأخص في منطقة الخليج العربي الذي به أكثر من نصف كمية احتياطي البترول العالمى، بيد أن تحلل هذه المواد العضوية وتحولها إلى سائل بترولي لم يتم في وقت قليل وبسهولة التشكل، بل استلزم سلسلة من التحولات الجيولوجية المعقدة قبل أن تصبح سوائل مخزونات هذه المكامن مادة بترولية أو هيدروكربونية ليكتشفها ويستخرجها الإنسان.

النفط في اللغة
إن شعوب الحضارات المختلفة التي تعاقبت في منطقة الشرق الأوسط قد استخدمت العديد من الأسماء لمختلف أنواع مواد النفط الخام السائلة منها واللينة والصلبة. ومن ذلك أطلق السوماريون على القار اسم إيسر، وسماه الأكاديون إيدو، والعراقيون سيالي وزفت وقار.
اختلف اللغويون في أصل كلمة نفط، فذهب بعضهم إلى أنها أكادية أو نبطية أو يونانية، ومنهم من عدها سامية عربية، أخذها اليونان عن العرب فقالوا: نفثا وهو بمعنى النفط، فبحسب القوانين اللغوية كلمة نفط تقابل كلمتي نبت ونبط واللتين تعنيان الخروج، فالنفط ما يحتلب في البئر أول ما تحفر، والنبت يخرج من الأرض، ومن يرى أن القار السائل قد عرف في بلاد الرافدين باسم نفط، وقد ورد في ألواح الطين بصيغة (نابتو) من أصل الفعل ناباتو، الذي يعني حرقا، واستخدم هذا الفعل بهذا المعنى منذ النصف الأول من الألف الثانية قبل الميلاد. وعليه فإن كلمة نفط هي أدق تعبيرًا وأكثر أصالة من كثير من المصطلحات المتداولة اليوم بهذا المعنى مثل زيت وبترول.
وجدت لفظة «بتروليوم» طريقها إلى اللغة العربية بعد أن عربت إلى «بطرالون» واسم البيطار جاء على ذلك التعريب في مرادفاته، ويبدو أن العرب لم يكتفوا بتعريب كلمة «بتروليوم» بل ترجموها إلى زيت واستخدموها في كتاباتهم ونقلها الرومان عنهم. فقد عثر في مخطوطات رومانية قديمة على كلمة الزيت مكتوبة باللغة اللاتينية بذات اللفظ العربى.

بداية الاستكشافات والاستخدامات
كانت أول عملية حفر تمت سنة 347 ب.م. في الصين، استخدم فيها سيقان خشب الخيزران لاستخراج النفط من عمق 800 قدم إلى سطح الأرض، وهم أيضا أول من مدد شبكة أنابيب صنعوها من سيقان الخيزران لنقل النفط، وكان ذلك في القرن العاشر الميلادى، حيث كانوا يحرقونه لتبخير الماء المالح لإنتاج الملح، وها هم الآن خلال العقد الثاني من الألفية الثانية سيكونون أكبر مستهلك للنفط في العالم، وأكبر مصدر للمنتوجات التجارية والصناعية في الوقت نفسه لدينا في الدول العربية من الأنظمة الثورية تجتهد بتصدر أكثر عدد من الشعارات. هكذا تتطور التنمية في بلد وتتخلف في بلاد أخرى.
لقد كان النفط منذ القرون القديمة أداة للتفوق والانتصار فقد استخدم في الحروب منذ العام 670 ميلادية، عندما قام الإمبراطور قسطنطين الرابع بصب البترول على السفن المعادية لإشعالها بقذف اللهب عليها، وكان للنفط دور في الكتابة والأختام والإنارة والتطبب.

الأدب والنفط
عربيًا عرف النفط واكتشف على نحو مقارب من أزمنة اكتشافاته الأخرى، حيث كان يتسرب إلى السطح، ومن ذلك ما سجل عنه في القرن الثامن الميلادي إبان العهد العباسي، حيث عرف النفط كمادة تستخدم في طلاء الجدران وترصيف الطرقات، وكما عهد عنه قبلاً للإنارة وعلاج الإبل والماعز. ومن الطرائف عنه ما ذكر بين الأدباء من اشتقاق صفة لفظ النفط لقبًا على ممن اتبع نهج سيبويه في علم النحو والإعراب، كإطلاق لفظ نفطوية، وكان ذلك على الفقيه إبراهيم بن محمد العتكي الإمام والعالم في علم النحو، الذي كان من تمام أدب الأديب في عصره، صاحب مؤلفات كثيرة وذو مروءة وشهامة، وهو أحد أحفاد المهلب بن أبي صفرة، القائد في عهد الخلفاء الراشدين ووالي خراسان في عهد الأمويين، ذلك لأنه لم يكن يعطي اهتمامًا لهندامه على الرغم من حسن خلقه وعظيم علمه، فشبهه غرماؤه من العاطلين المعرقلين للعلم والفضيلة بالنفط لأدمته، ولهذا لقب بنفطويه، حتى إذا لم يجد غرماؤه عليه مأخذًا جاء فيه هجاء من أحدهم ويدعى عبدالله الواسطى بتقسيم اسمه إلى نصفين على سبيل الذم، واصفًا فيه حرقا بنصف اسمه الأول أي "النفط" وجعل الباقي نواحاً عليه أي "ويه ويه ويه" قائلا فيه:
من سره ألا يرى فاسقا. . فليجتهد ألا يرى نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه. . وصير الباقي صراخا عليه

النفط في رحلات ماركو بولو
من أواسط الشرق الآسيوي كان مشهد آخر عن بدايات التعرف على الذهب الأسود ذكره ماركو بولو في مذكراته عندما كان عابرًا بلاد فارس إلى الشرق في عام 1264 وهو متجها لباكو عاصمة أذربيجان كما هي اليوم، حيث شاهد خلال رحلاته بقعة من تجمع النفط المتسرب إلى سطح الأرض قبالة شواطئ بحر قزوين كما وصف أيضا عن مشاهدته لبركان من الغاز المندفع بقوة من باطن الأرض.
في عام 1559 ورد أثر عن عمليات حفر يدوية لفتحات تمتد إلى عمق 35 مترًا من سطح الأرض لاستخراج النفط، ما يجعل باكو أول منطقة يكتشف فيها حقول نفطية فعلية، بلغ عددها آنذاك 116 حقلا في عام 1830 بطاقة إنتاجية قدرتها 720 برميلا.

النفط في أوروبا
هناك في الاتجاه المقابل على الجانب الغربي لأوروبا من القرن السادس عشر كانت بولندا تستعمل زيت النفط في إنارة الشوارع، وفي عام 1735 تم استخراج النفط الرملي في فرنسا من المناجم، وفي منتصف القرن التاسع عشر دشنت أوروبا بداية عهدها بالصناعة النفطية عندما طلب من رجل أعمال وكيميائي يدعى لوكاسيوفيسز تزويد مستشفى في بولندا بعدد من مصابيح الإنارة، تعمل بالكيروسين لإجراء عمليات للحالات الطارئة ليلاً، فقام بأول عملية تكرير منهجية في أوروبا بتاريخ 31 ديسمبر 1853 لإنتاج الكيروسين اللازم لاحتياجات المستشفى. وفي عام 1854 تم حفر أول بئر في أوروبا ببولندا.

أمريكا أرض الأحلام
على السواحل الغربية للمحيط الأطلسي ارتسم تاريخ القرن التاسع عشر في أمريكا عن قصة تحكي ملحمة تكثيف وتزايد الاختراعات والاستكشافات والإنتاج في تدوير عجلة التنمية والتركيز على الوقود كمصدر للطاقة في تحريك الآلية الإنتاجية بدلاً عن القوة العضلية، المتمثلة في استعباد السكان الأصليين واستيراد الأفارقة كطاقة محركة لعل إدراك الولايات المتحدة الأمريكية أن مستقبل التطور الصناعي يستلزم هذا التحول في طبيعة مصادر الطاقة، جعله سببًا في تحرير العبيد ووقف هذه التجارة.
في عام 1849 بدأت عملية التحول في إنارة المصابيح من استخدام زيت الحيتان إلى الكيروسين بعد إجراء أول عملية تكرير للنفط من الجيولوجي الكيميائي د.إبراهام جنسر. وفي عام 1858 تم حفر أول بئر في أمريكا الشمالية بكندا.
بدأت صناعة النفط الأمريكية تنطلق في عام 1859حينما قام الكولونيل إدوين دراك بحفر أول بئر بمدينة توتسفيل من ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية. بعدها أصبح البترول متوافرا كزيت تشحيم وزيت للمصابيح بعد عمليات تكريره.
46 مليوناً في الساعة
بمجرد أن تتجاوز إيرادات شركة ما المليار دولارً سنويًا تبدأ الأضواء في التوجه إليها، تتسلط على صانع نتائجها وإلى من يقف وراء قصة تأسيسها، ويزيد الاهتمام والفضول والتحليل أكثر على من يحقق مثل ذلك في الشهر، لكن ماذا لو كان الذي يتحقق من تلك الإيرادات هو مئات من ذلك المليار، كأن يكون رقمه يزيد على عدد أيام السنة، أي أكثر من مليار دولار في اليوم أو بما يعادل 46 مليونا في الساعة، ألا يستحق الأمر؟ وهكذا من الإنجازات أن نتوقف عند ذلك التميز ونتدارس الكيفية الإدارية ومجالات الاستثمار، التي تتحقق معها تلك الإيرادات، ونتعرف على الذي أسس تلك الشركة لتنطلق لتجني هذه النتائج.
البداية كانت بعد مرور ست سنوات من اكتشاف النفط عام 1859، وإرساء صناعته في الولايات الأمريكية حينما قرر كاتب حسابات قليل الكلام دءوب في عمله، يدعى جون روكفلر شراء حق الإشراف على معمل التكرير في ولاية كليفلاند، فقد أدرك مبكرًا هذا الشاب ابن 26 ربيعًا أن أسلم طريق لتعظيم العوائد وأفضل طرق السيطرة على الصناعة النفطية ليست فقط في إنتاج النفط، وإنما الأهم في تكريره وتوزيعه وتجارته، وعلى ضوء تلك الحقيقة أسس شركة ستاندرد أويل عام 1870 برأس مال مليون دولار، محتفظا لنفسه بـ 27 % من أسهمها ليضمن رئاسة إدارتها، فمن مركزه هذا بالمساهمة أخذ روكفلر يدير الشركة، ويتوسع في نشاطها محليا وخارجيا، فيشتري حقول النفط ويكرر إنتاجها ويسوق منتجاتها عبر 38 شركة شقيقة، أسسها داخل الولايات وشبكة من الشركات الفرعية ومكاتب تمثيل ووكلاء لها من دول المشرق والمغرب، حتى جعلها شركة فريدة في تاريخ العالم، فقد فاقت إيراداتها دخل كثير من دول العالم، وبحلول عام 1880 سيطرت شركة ستاندرد على 90 % من أعمال النفط في الولايات المتحدة، وفي عام 1885 كان 70 % من تجارة الشركة يتم في دول ما وراء البحار.
هذا التوسع والانتشارالسريع والكبير أثار حفيظة المنافسين من المنتجين وبعض السياسيين المتنفذين في السعي إلى تأليب الرأي العام والحكومة الفيدرالية لإصدار قوانين منع الاحتكار والضغط على الشركة لشلها وتصفيتها في عام 1911 وتجاوز روكفلر مثل هذه الحملات الشرسة بتحويل عمليات الشركة إلى الشركات الشقيقة هما: اكسون وموبيل وسوكل ومن خلالهما حافظ على مكانته في السيطرة على الصناعة النفطية داخل الولايات المتحدة وخارجها وقد نمت الشركات الثلاث بشكل منقطع النظير فشركة اكسون تعتبر وحدها أكبر شركة طوال القرن الماضي، تعمل في تجارة وصناعة النفط، وتعززت مكانتها بعد أن تم اندماجها مع موبيل عام 1999، لتصبح كبرى الشركات في العالم على جميع المجالات من حيث القيمة السوقية ومتصدرة في المركز الأول على قائمة 500 من كبريات الشركات تحقيقًا للإيرادات.


ثرثرة في الصحراء
في عام 1927 لم يجد الرائد فرانك هولمز بديلا أفضل من بيع الامتياز الممنوح له بالتنقيب عن النفط في الكويت والبحرين إلى شركة نفط الخليج «جلف» بمبلغ 50 ألف دولار، لأن الحكومة بجلالتها وضعت من العراقيل ما يمنع تنفيذ أي امتياز غير بريطاني في الكويت، وهي تحت انتدابها، ولم يكن حظ شركة جلف أفضل من هولمز، حيث هي الأخرى لم تستطع البدء في تنفيذ الامتياز وظلت عاجزة أمام صلافة العراقيل وتعجيزاتها، التي ما وضعت إلا لإفساح المجال أمام شركة الأنجلو فارسية المملوكة في أغلبيتها لبريطانيا، والمعروفة فيما بعد بريتش بتروليوم بمنافستها على حق امتياز التنقيب عن النفط في الكويت، ولم تجد جولف سبيلا لتذليل هذه العراقيل إلا باللجوء إلى العلاقات الشخصية عبر القنوات الديبلوماسية وتقديم الأظرف المليئة بالنقود لبعض أصحاب النفوذ البريطانيين والأمريكيين، حيث لجأ ملاك شركة جولف آنذاك بالسعي إلى تعيين أندرو ميلون، أحد أقاربهم سفيرا للولايات الأمريكية لدى بريطانيا، الذي بدوره نجح بنفوذه الديبلوماسي في التوفيق بدلا عن التنافس بين الشركتين على الاتفاق بمناصفة الامتياز.
إن معرفة خلفية تطورات الشقيقات ودورها في صنع القرارات السياسية يوضح دوافع قرارالكونجرس الأمريكي، كالذي أعلن عنه صراحة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت من قبل هو أنك في هذه البلاد لا تستطيع أن تكسب انتخابا من دون أن تدعمك إحدى الشقيقات البترولية، كما أنك لا تستطيع أن تحكم وأنت تستند على دعمها.
تعتبر جولف إحدى الشقيقات السبع، التي تأسست عام 1901 للتنقيب في تكساس على أثر اكتشاف أكبر بئر فيها بتمويل من الشركة المصرفية تي. ميلون وأولاده، وأخذت تتوسع أنشطة جلف الاستكشافية والتسويقية وامتلكت من الأساطيل ما مكنها من تصدير النفط إلى دول كثيرة من العالم. وفي عام 1984 اندمجت جولف مع شيفرون، سليلة إحدى الشقيقات من بنات روكفلر، التي كانت سابقا معروفة بسوكل ثم استحوذت شيفرون على تكساكو عام 2001، وبلغت أرباحها 17.1 بليون دولار عام 2006.
وكما جرى لشركة جولف وشقيقاتها الأمريكية، جرى مثله في الجهة الأخرى من الجزء الشرقي للمحيط الأطلسي على الضفاف الغربية من بحر الشمال، عندما وقف تشرشل أمام البرلمان البريطاني عام 1914 وهو برتبة أدميرال أول، يبلغهم عن قرار الإدميرالية بشراء 51 % من أسهم شركة الأنجلو فارسية، التي أسسها كل من وليم دارسي صاحب حق امتياز التنقيب عن النفط في إيران، وشركة بترول بورما المملوكة لمجموعة من الأسكتلنديين، وبعد أن تم تغيير اسم الشركة إلى بريتش بتروليوم أو (بي بى)، وهي تتوسع في أعمالها الاستكشافية والصناعية بالدعم السياسي والحماية العسكرية البريطانية، حتى تبوأت المكانة التي هي عليها اليوم من بين أكبر ثلاث شركات في العالم. فقد حققت شركة «بي. بي» أرباحا عام 2006، بلغت 22.25 مليار دولار.
إن الثرثرة التي تم التفاوض بها للحصول على امتيازات النفط يعطي مثالاً جيداً لتلاعب الشركات النفطية بدول أوبك، وكيف أنها كانت تمارس نفوذها عبر القنوات الديبلوماسية والمفاوضات السياسية والعمليات العسكرية، في سبيل تحقيق صفقاتها الإنتاجية وخططها الاستكشافية، ولم تأل هذه الشركات جهدا في سبيل تحقيق سيطرتها على التجارة والصناعة النفطية من احتكار للتكنولوجيا لتسهيل تنفيذ مشاريعها التوسعية، وها هي أخيرا جندت الكونجرس الأمريكي لإقرار قانون محاكمة دول أوبك، بتهمة رفع أسعار النفط بممارسة الاحتكار للضغط عليهما بزيادة طاقتهما الإنتاجية لكي يمنحوا الشركات النفطية العالمية من الشقيقات الخمس مرة أخرى حق الامتياز وفق شروطهم، لأنهم وحدهم القادرون على تحقيق تلك الزيادة المطلوبة لمنع ارتفاع أسعار النفط.
ألوان النفط
أصبح النفط هو المحرك الرئيسي من بين جميع مصادر الطاقة الأخرى والمواد الأولية والثروات الطبيعية في التأثير على أحداث التاريخ حتى احتل نسبة 40% في تلبية احتياجات الطاقة من بين المصادر الأخرى، وكمادة أولية رئيسية للصناعات لأكثر من 400 ألف منتج.
ارتبط النفط مع أحداث التاريخ بدلالات الألوان، فمثلا في الأسود يمثل فيزيائية وصناعة واستكشاف وإنتاج النفط، واللون الأخضر يتمثل بمصطلح البترودولار، فالنفط مرتبط في قيمة سلعته بعملة الدولار، التي هي رمز الثراء والفساد وجشع الشركات النفطية وعلاقاتها برسم الأحداث السياسية والجغرافيا الاقتصادية العالمية. كما ان ارتباط النفط باللون الأصفر يأتي كدلالة عن القواعد والقيم الإيجابية والسلبية التي تنشرها وتغرسها ثقافة عصر النفط، في حين يأتي اللون الأحمر بدلالته عن النفط، ليمثل الحرب والدماء والدمار والاستعمار وحب السيطرة في التحكم على احتياطات آبار النفط. أما البنفسجي فهو يمثل فترة ذروة الإنتاج وما بعدها من مرحلة نضوب النفط.
من عجائب الصدف أن تتشكل عناصر لون علم الولايات المتحدة فى تركيبته بما يمثله الأزرق والأحمر والأبيض، التي تتفق في دلالاتها بصراحة مع رموز أهداف أباطرة الصناعة النفطية حول أهمية المال والتكنولوجيا في السيطرة والاحتكار والثراء، تماما كما كان يقول ويصرح به روكفلر في بداية القرن الماضي.
حينما بدأ ترسيخ الصناعة النفطية الحديثة انطلاقًا من بنسلفانيا منذ قرن ونصف القرن أخذت دلالات ألوان النفط تتقاذف العالم من بين أخضر وأصفر وأحمر وأسود، وصولاً إلى تأثيرات البنفسجي. لقد أخذت الأحداث التاريخية سلوكا حادا منذ قرن ونيف بإيقاعاتها سواء في القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية؛ حيث سقط قيصر روسيا وانطلق الفكر الشيوعي وأنشأ الاتحاد السوفيتي واندلعت الحربان العالميتان الأولى والثانية، التي خلالهما طوى التاريخ على آخر فصول نهاية الامبراطورية العثمانية ليتم وراثة تركتها العربية وتقسيم الشرق الأوسط إلى قطع لعبة «البازلز».
مع نهاية الحرب العالمية الثانية انطلقت الحرب الباردة، التي استمرت خمسين عاما، ومع بدايتها تمخضت فولدت مسخا، أطلق عليه دولة إسرائيل، وتم الاعتراف بها، كما تمخضت أيضًا عن منظمة التجارة العالمية وفتح بوابات العولمة الأخرى، ثم تم خلالها اغواء الدول العربية بحروب في أعوام 1956 و1967 و1973 حتى اندلاع الحرب العراقية - الايرانية، التي مع بدايتها تم اجتياح لبنان وانتهت بالتحضير لاحتلال الكويت، ثم تحريرها عام 1991، التي معها سقط الاتحاد السوفييتي وتفكك، عندها تم الاعلان عن انتهاء عصر الحرب الباردة وقيام النظام العالمي الجديد بدلالات ألوان قوس قزح بهدف السيطرة على التجارة والصناعة النفطية وتظل الأحداث مستمرة بألوانها، لكن في حدود الأحمر والأخضر، أي بحروب وترتيبات اقتصادية، فنحن نقف اليوم عند تحويل لبنان ورشة عمل كمنطلق لاستكمال أحد فصول مشروع الشرق الأوسط الجديد واستحقاقات العولمة.
هكذا تلون تاريخ عصر النفط في أغلبيته وبمعظم مساحاته باللون الأحمر، لأنه لون الإثارة والدم.

تطور أسعار النفط خلال قرن
بدأت سلعة النفط تتخذ دوراً مباشراً بتحريك وقائع الصراعات العالمية وبنود الأجندة الاقتصادية في سنة 1914، فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وعندما سجلت أسعار النفط مستويات تصل إلى 100 دولار للبرميل، عندها تنامت الحاجة إلى تأمين مصادر الطاقة للعمليات العسكرية والإنتاج الصناعي، وأصبح النفط هو أحد أهم الأهداف العسكرية وأحد المعايير الرئيسية في رسم الخرائط السياسية والاقتصادية.

*بين الموب وأوبك:
في عام 1920 تعرضت أسعار النفط إلى عمليات هبوط وصعود شديدة، حتى استقر سعر النفط عند مستوى 3 دولارات للبرميل وهو ما يعادل 24.2 دولار للبرميل بعد معالجته بمعامل التضخم على أساس سعر الدولار عام 2006، وهذا التذبذب في أسعار النفط دفع الولايات المتحدة إلى استحداث نظام اسمه MOB (موب) فكانت تلك هي البداية بوضع آلية تربط السعر بالإنتاج، ومنذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية اللاعب الرئيسي في رسم سياسة ملامح تجارة وصناعة النفط في العالم، وظلت «الموب» كوحدة رقابية تنظم آلية ربط أسعار النفط بحجم إنتاجه وهي تعمل فقط ضمن الولايات المتحدة الأمريكية طيلة 40 سنة، حتى إنه تم إلغاؤها بمجرد تأسيس منظمة أوبك في بداية الستينيات من القرن الماضي لتعمل على مستوى العالم بدلاً من اقتصارها على داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

*جمود السعر:
عندما نستعرض تاريخ تجارة النفط بعد أن تصدرت سلعة النفط من دون منازع على مصادر الطاقة الأخرى وتنامي أهمية تأمين مصادره وارتباط معظم الصناعات به، وعلاقة ذلك بالإنتاج وسياسة الأسعار، نجد أنه لم يطرأ نمو فعلي على أسعار النفط خلال العقود الستة الماضية من القرن العشرين (1947-2000) فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبحت أسعار النفط مستقرة عند مستوى 3 دولارات كحد أقصى، وحتى خلال فترة النزاعات العالمية فإنه لم يطرأ تطور كثير عليها باستثناء فترتي الصدمة النفطية الأولى والثانية، وأن النمو الحقيقي في الأسعار بدأ فعلاً يتحقق بعد عام 2000.
وهكذا يمضي قرن من الزمان على أهم سلعة حركت معظم الأحداث في العالم، ولم يطرأ عليها تطور يذكر في أسعارها وفق المقاييس الاقتصادية، فبالرغم من احتقان هذه الفترة من الزمن التي تؤكد تزايد الطلب على النفط وتنامي أهميته الاقتصادية والسياسية، وتزامن ذلك النمو في الطلب مع ضغوط أمنية وتوترات جيوسياسية وحروب إقليمية، التي من شأنها أن تعمل على رفع الأسعار، إلا أن ذلك لم يتم إلا في الفترة من 1979 - 1980، الذي سجلت فيها الأسعار أرقاماً قياسية، حيث تجاوزت 37 دولاراً للبرميل في عام 1980 وسميت هذه الفترة بالصدمة النفطية الثانية التي لو تمت معالجتها بمعامل التضخم، فإن قيمتها تصبح بسعر اليوم قريبة من 100دولار للبرميل، وذلك بأسعار صرف الدولار في عام 2007 كمستوى للقياس.


*الصدمتان:
وباستثناء فترتي الصدمة النفطية الثانية نجد أن أسعار النفط منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عام 2000، أي قبل أن تطبق أوبك النطاق السعري $22-28$ لم يتجاوز سعر برميل النفط فيها سقف 15 دولارا للبرميل إلا في 50 مرة فقط ولفترات زمنية قصيرة جداً، على الرغم من حالة عدم الاستقرار والتوترات التي مرت فيها مناطق إنتاج النفط طيلة هذه الفترة الزمنية قياسًا بما هي عليه الآن. كما أنه لم يتجاوز متوسط أسعار النفط للفترة من الحرب العالمية الثانية أيضًا حتى عام 2007 مستوى 18.5 دولار للبرميل على أساس قيمة الدولار في 2007 ومعنى ذلك أن 50 % من الفترة الزمنية منذ الحرب العالمية الأولى حتى تاريخه، لم تتجاوز أسعار النفط في المتوسط 18.5 دولار للبرميل. وبنظرة إلى بدايات زمن اكتشاف النفط في أمريكا عام 1869 فإن أسعار النفط عند معالجتها بمعامل التضخم لم تتجاوز في المتوسط 21.1 دولارا للبرميل، على أساس قيمة سعر الدولار في 2007. ومعنى ذلك أن أسعار النفط لم تتجاوز 16.7 دولار للبرميل خلال نصف المدة.

*تطور الأسعار:
عند مراجعة مراحل تطور أسعار النفط للفترة من 1948 إلى 1973 نجدها تراوحت بين 2 و3 دولارات للبرميل فقط وإذا عالجناها في معامل التضخم فإن أسعار النفط في عام 1973 يجب ألا تقل عن قيمة 21 دولارا للبرميل وليس 3 دولارات للبرميل، أي إنها طيلة عقدين من الزمن ظلت متراجعة في أسعارها، وخلال الفترة من 1970 حتى 1973 حصلت عدة تطورات مهمة، فقد بدأت دول أوبك تطالب بزيادة ضريبة حق الامتياز على الشركات النفط الأجنبية، ثم انتقلت إلى البدء في عملية تأميم شركات النفط والمطالبة برفع أسعار النفط تعويضا عن التراجع الذي بدأ يشهده الدولار، نتيجة فك ارتباطه من الذهب، إلا أن أسعار النفط لم تبدأ في التغير إلا مع بداية حرب أكتوبر، فقد قفز سعر البرميل إلى 400 % أي من 3 دولارات للبرميل إلى 7 دولارات نتيجة استخدام النفط سلاحا اقتصاديا بتوقيف إمداداته للغرب، وهي ما سميت بالصدمة النفطية الأولى.
ما إن استقرت الأوضاع ورفع الحصار في 1974 حتى تراجع سعر النفط إلى 5 دولارات للبرميل حينها، كانت تمثل حصة أوبك من الإنتاج العالمي 7 %، فهذه المقاطعة تسببت في عجز في العرض مقداره 4 ملايين برميل يومياً، وهو حجم إنتاج أوبك حينها، ومع زيادة الطلب على النفط في عام 1974 قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تتوجه إلى تأمين ثلث احتياجاتها باستيراد النفط من الخارج، مما دعم مطالبة أوبك بزيادة الأسعار بنسبة 15 % في 1975 حينها ارتفعت أسعار النفط من 5 دولارات للبرميل إلى مستويات أعلى حتى استقرت بين 12 و14دولارا للبرميل، واستمرت على ذلك حتى عام 1978 مدعومة بزيادة الطلب على النفط بعد دخول الولايات المتحدة في تجارة استيراد النفط، الذي لم يكن يحدث قبل عام 1973. وهذا هو السبب الرئيسي الثاني، الذي نقل أسعار النفط إلى مستويات تتناسب مع زيادة الطلب وحجم الإنتاج كي تحقق نمواً حقيقيًا.
في عام 1978 سجل النفط الإيراني أقل مستوى له، وقررت أوبك زيادة الأسعار بنسبة 14.5 % عام 1979 عندها بدأت تفقد الولايات المتحدة تحكمها بالأسعار ومع قيام الثورة الإيرانية نتج عجز في الإنتاج العالمي بمقدار 2.5 مليون برميل يومياً، فقررت أوبك مرة أخرى رفع الأسعار بنفس النسبة السابقة، ثم تلتها زيادة بنسبة 15 %، فارتفعت الأسعار إلى مستويات تجاوزت 20 دولارا للبرميل.

*حروب الخليج:
تعززت الأسعار في تصاعدها مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980 حتى ارتفعت شيئا فشيئا إلى 37 دولارا للبرميل، وفي عام 1981 حددت أسعار أوبك مستويات أسعار السوق الفورية ومع هذه التطورات ارتفع إنتاج دول خارج أوبك إلى 20 مليون برميل يوميا، كما كان إنتاج دول أوبك 15مليون برميل يوميا بعد أن خفضت ليبيا إنتاجها نتيجة المقاطعة الأمريكية لها، بعد ذلك بدأت مرحلة تراجع الأسعار.
في عام 1983 خفضت أوبك الأسعار بمقدار 5 دولارات للبرميل مع إبقاء سقف الإنتاج عند مستوى 17.5 مليون برميل يوميا، عندها قررت النرويج وانجلترا ونيجيريا خفض الأسعار، لتستقر عند مستوى سقف 29 دولارا للبرميل، وفي عام 1985 وصل إنتاج أوبك 18 مليون برميل، في الوقت نفسه لم يعد يلتزم بعض الدول الأعضاء بقرارات أوبك وتوسعوا في تخفيض الأسعار حتى هبطت بشده نتيجة ما يعرضه بعض أعضاء أوبك من أسعار متدنية تتراوح بين ستة وعشرة دولارات للبرميل، حتى أعلن عن سقوط نظرية تحديد السعر والتخلي عنها. ومع انتهاء حرب الخليج الأولى، أي الحرب العراقية الإيرانية استقرت الأسعار عند مستوى 16 دولارا للبرميل، وفي عام 1989 ارتفعت الأسعار إلى 18.33 دولار للبرميل، عندها زادت أوبك الإنتاج إلى 19.5 مليون برميل يوميا.
بعد اشتعال حرب الخليج الثانية في عام 1990 ارتفعت الأسعار إلى مستوى 24 دولارا، عندها استخدمت الولايات المتحدة 17.3 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، وبمجرد تحرير الكويت عام 1991 وإطفاء آخر بئر ومع تفكك الاتحاد السوفييتي، بدأت تتراجع عن مستوى 20 دولارا، وتستقر عند مستوى 16 دولارا للبرميل، وفي عام 1993 رفعت أوبك سقف الإنتاج إلى 25.3 مليون برميل يوميا، عندها بدأت تتراجع الأسعار إلى مستوى 13 دولارا للبرميل. فقد بلغت وهى عند هذا المستوى في قيمته بما يساوى دولارين وبضعة سنتات، وذلك إذا ما عالجنا هذه الأسعار بمعامل التضخم بشكل رجعي وبقيمة الأربعينيات من القرن الماضي، كما لو أن أسعار النفط ثبتت عند ذلك المستوى منذ أن بلغته.
بعد ذلك يأتي أداء السوق النفطية في عام 1996 لينساق مع توصيات كل من البنك وصندوق النقد الدوليين فى حث البنوك المركزية باتخاذ مجموعة من السياسات النقدية، تعمل في اتجاه رفع الفائدة وخفض السلع والخدمات، وهو ما تم العمل به تمهيدًا لجعل الظروف الاستثمارية ملائمة لعقد التحالفات والاندماجات بين الشركات العالمية، وكانت أسعار النفط إحدى ضحايا هذه السياسات.



*من العشرة إلى المئة:
في عام 1997 يأتي تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء، بتصدير النفط العراقي ويتزامن مع قرار أوبك برفع سقف الإنتاج بمقدار 2.5 مليون، ليصبح عند مستوى 27.5 مليون برميل في اليوم، متسببا في زيادة المعروض النفطي، ودافعا إلى مزيد من تراجع الأسعار لتصل إلى مستوى 10 دولارات للبرميل، ويأتي هذا القرار في الوقت الذي تشهد فيه أسواق مخزونات استهلاكه ارتفاعا في مستواها وتباطؤا في الطلب وأزمة اقتصادية حادة في أسواق شرق آسيا، ولعل تجمع هذه العوامل معا للتسبب بقوة في تراجع اأسعار النفط كان هدفا في حد ذاته كي يتم استكمال آخر فصول عمليات الاندماجات بين الشركات النفطية العالمية.
بعد أن استكملت اتفاقيات الاندماجات انتهى الهدف من ذلك التراجع والفائض في المعروض. اتخذت أوبك عدة تخفيضات متتالية، بلغت في مجموعها 4.3 مليون برميل يوميًا في 1988، وعلى أثرها بدأت الأسعار ترتفع ثلاثة أضعاف عما كانت عليه خلال الفترة من بداية 1999 إلى نهاية 2000 باتجاه سقف 30 دولارا للبرميل نتيجة عوامل دفع اقتصادية وجيوسياسية وفنية وبيئية، وعلى إثر ذلك سمح الرئيس الأمريكي باستخدام 30 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجى.
مع وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 وتعرض أمريكا لركود اقتصادي، تراجعت الأسعار، إلا أنه مع تصاعد حدة الأوضاع الجيوسياسية في العراق والاضطرابات السياسية في فنزويلا وأعمال العنف في نيجيريا، والتقلبات في المناخ عاودت الأسعار في الارتفاع وظلت في تصاعد مستمر، إلا أنها تراجعت عند بدء عملية الهجوم على العراق وإسقاط النظام العراقي عام 2003 لتصل إلى دون سقف 30 دولارا للبرميل، وعلى أثرها اتخذت أوبك قرارا بخفض الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميا لتعاود في الارتفاع، وهي مدعومة بمضاربات المستثمرين في التجارة النفطية، التي وظفت العوامل النفسية المركبة من مجموعة أحداث الأوضاع الجيوسياسية من الملف النووي الايراني والنيجيري والعمليات الإرهابية وأعمال العنف والتخريب في مناطق الإنتاج النفطى.
بين رفع وخفض مدروس استطاعت أوبك أن تحافظ على الاتجاه التصاعدي للأسعار حتى تجاوزت الخانات الرقمية الثلاث في بداية 2008 لتسجل قيمتها فوق المئة دولار للبرميل، وبذلك تكون قد حطمت الرقم القياسي الذي وصلت إليه من عام 1980، إذا طبقنا معامل التضخم. ومتوقع أن تستمر عليه الأسعار هذه السنة في النطاق بين 80 إلى فوق سقف المئة دولار للبرميل من حين لآخر، لتسجل في المتوسط عند مستوى 85 دولارا للبرميل، ما لم تقع أحداث جيوسياسية وتغير في الأجندة الاقتصادية.

نظرة مستقبلية لأسواق النفط
*كسر الحاجز:
في بداية عام 2008 كسر أحد المتداولين الصغار في سوق تجارة النفط الحاجز النفسي لسعر النفط، بعدما لامس سقف 100دولار للبرميل، ليدخل التاريخ بأنه أول من اشترى بمئة دولار للبرميل، وما أن كسب رهانه من تحقيقه هذه الرغبة تراجعت الأسعار فورًا من دون المئة ليتراوح في نطاق التسعين دولارا للبرميل، متراجعا تدريجيا وفق توقعات الأداء الاقتصادي العالمي، خصوصا الاقتصاد الأمريكى. وبقى التساؤل: هل فعلا أن أسعار النفط ستستمر في نموها متجاهلة التحذيرات من تباطؤ الاقتصاد الأمريكى؟ وهل سيتكرر اختراق الحاجز النفسي وتسجيل مستويات سعرية قياسية جديدة؟ أم أن هذه المستويات انتهت عند هذه الرغبة في كسر الحاجز، لتتراجع على إثرها أسعار النفط تبعا لأداء الاقتصاد العالمى، كما اعتادت عليه قوى السوق في إملاء اتجاه أسعار النفط وفق ما كانت عليه من السياق التاريخى! وماذا يعني خفض الفائدة والتضخم وانخفاض سعر الدولار وارتفاع سعر الذهب وعلاقتهما بأداء أسعار النفط؟ إنها تساؤلات محيرة، وهي مسئولة عن 3 تريليونات دولار سنويا!

*توقعات قريبة المدى:
تقاربت توقعات مراقبي السوق حول متوسط مستوى القيمة السعرية، التي ستكون عليه أسعار النفط في أدائها عام 2008 فأغلبية التوقعات ترى أن أسعار النفط ستتراجع على نحو وفق أساسيات قوى السوق الفعلية، وأنها ستنحصر في نطاق 70-80 دولارا للبرميل، على اعتبار أن الإنتاج سيرتفع من دول أوبك وخارج دول أوبك بمقدار 2.67 م.ب.ى، ومثل هذه الزيادة كفيلة بجعل المعروض فائضًا عن الطلب، الذي من شأنه أن يخفف الضغط على الأسعار فيخفضها. وبحسب التقديرات فإن الإنتاج العالمي فى عام 2008 متوقعا له أن يصل إلى 87.36 م.ب.ى، بزيادة 3 م.ب.ي. عن إنتاج عام 2007.
عند مراجعة أسعار النفط في عام 2007 نجد أنها بلغت في المتوسط 72 دولارا للبرميل، وأنها سجلت في شهري يناير وفبراير متوسطا لهما عند سقف 50 دولارا للبرميل، وعند مقارنة الاستهلاك لذات الفترة في شهر يناير وفبراير من عام 2008 عن 2007 فإن البيانات تشير إلى انخفاضها بنسبة 3-4 % بسبب ما يشهده أحد أكبر أسواق استهلاك النفط في العالم من تباطؤ اقتصادي، ومع زيادة الإنتاج في 2008 عن 2007 فإن من شأن كل ذلك أن يخلق فائضا كبيرا في المعروض عن الطلب، مؤداه يكون تراجعا كبيرا للأسعار في 2008 عن 2007 لفترة هذين الشهرين، إلا أنها اتجهت بخلاف المعطيات وأساسيات قوى السوق.
قدر الفائض لعام 2008 بمقدار 2.2 م.ب.ى. وتقريبا 4 م.ب.ى. لعام 2009. وقياسا على أداء الأسعار في الربع الأول من هذا العام على الرغم كل هذه المعطيات إلا أن أسعار النفط متجهة بخلاف إملاءاتها نحو الارتفاع، حيث سجلت متوسطا سعريا لشهري يناير وفبراير متجاوزا سقف 90 دولارا للبرميل.
خلال اجتماع أوبك في مارس، والمقرر فيه أن تتخذ قرارا بخفض الإنتاج كما كان متوقعا بما يتوافق مع بيانات الاستهلاك والطلب، إلا أنها أبقت على مستوى الإنتاج، وعلى الرغم من ذلك تصاعدت أسعار النفط متجاوزة سقف 100 دولار للبرميل، حتى وصلت مع نهاية الأسبوع الثانى 110 دولارات للبرميل. وهو ما يخالف التوقعات ومعطيات أساسيات السوق، فليس هناك تغيير في حدة الملفات الجيوسياسية، وموسم الشتاء تم تجاوزه، ومستوى المخزونات الأمريكية تسجل أرقاما قياسية لم تبلغها منذ 14 سنة، وهذه الفترة بعيدة عن موسمي الأعاصير والإجازات التي عادة ما تكون الأهدأ في الطلب وخالية من التوتر فى هذه الفترة من السنة ولا يوجد ما يقلق الإمدادات بشكل فعلي على الواقع، ومع ذلك استطاع المضاربون إقناع فعاليات السوق بحتمية المئة دولار في تسعير عقود النفط لهذه الفترة، بغض النظر عما تمليه وتؤكده البيانات ومعطيات السوق.
*رأى وكالة الطاقة:
ترى وكالة الطاقة العالمية في تقريرها السنوي أن أساسيات السوق ستستمر في النصف الأول لعام 2008 بتأثيرها على مجريات أداء السوق النفطية بزيادة الطلب، بغض النظر عن التباطؤ في استهلاك النفط. أما النصف الثاني من السنة فإن الوكالة ترى أن فائض المعروض عن الطلب سينمو، مما يدفع الأسعار إلى الانخفاض والمرونة، تعبيرًا عن التجاوب من واقع زيادة أوبك وخارجها لإنتاجها مع حقيقة تراجع حجم الاستهلاك كنتيجة للتباطؤ الاقتصادي.
مع البداية زاد إنتاج أوبك بمقدار 600 ألف برميل يوميًا عن 2007، حيث مقدر أن يبلغ إنتاج أوبك في عام 2008 من النفط 32.42 م.ب.ى. من أصل قدرة طاقة إنتاجية 34.41 م.ب.ى، أي إن أوبك لديها قدرة إضافية تبلغ 2 م.ب.ى، وبها تستطيع أن تلبي احتياجات السوق الطارئة فورًا، كما يبلغ إنتاج دول خارج أوبك 54.94 م.ب.ى. ومتوقع أن ينمو بمقدار 900 ألف برميل يوميا خلال العام، في حين أن حجم الاستهلاك حسب آخر تقييم سينمو بمقدار 1.4 م.ب.ى، ليبلغ 87 م.ب.ى.

*نقطة الغليان:
بمجرد الوصول إلى نقطة الغليان لابد من خروج فقاعات مصاحبة لها، وهي على هذه الدرجة من الارتفاع، ولا بد من أن تغير معها مواصفات المادة التي تعرضت للغليان، وتترك أثرا في البيئة المحيطة بها، فوصول أسعار النفط إلى المئة دولار للبرميل لابد أن تصاحبها تغيرات في طريقة التعامل مع سلعة النفط سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. والحقيقة أن تعاطي تجارة النفط في مسار اتجاه أسعارها وتداول تجارتها اتخذت اتجاها مختلفا عما كانت عليه قبل عام 2000 من الأداء، أي أنها اتخذت اتجاها جديدا بعد أن تمت موجة الاندماجات الأولى بين الشركات، خصوصا الشركات النفطية، لم يكن فى السابق قبل عام 2000 دور مؤثر لتوتر الجبهات الجيوسياسية ووقوع تدميرات الأعاصير والأعطال الفنية من حرائق وأعطاب في المنشآت النفطية برفع أسعار النفط كما هو يجري أمره الآن من ارتفاع عند كل توتر من هذه المفاعيل والأسباب التي في مجملها مسئولة من بعد عام 2002 عن نمو أسعار النفط بنسبة 70 %.

*الخروج من آلية العرض والطلب:
بعد عام 2003 ثبت جليا أن آلية العرض والطلب لم تعد وحدها تتحكم في الإنتاج وأداء أسعار النفط، ولم تعد أيضا الأساسيات الجوهرية تتحكم في إملاء اتجاهات السوق كأية سلعة اقتصادية أخرى، بل أصبحت المحفزات النفسية هي التي تملي أداء أسعار النفط، وتصيغ قواعد لعبة التوقعات التي ترسمها أجندة المضاربين من المحافظ الاستثمارية وصناديق التحوط ومؤسسات صناعة خدمات المال من البنوك، كما أن استراتيجيات الشركات النفطية العملاقة واستحقاقات إتاوة العجز التجاري الأمريكي مع شركائها التجاريين والسياسات النقدية المتعلقة بالفائدة والاتفاقيات الاقتصادية في الدول الصناعية السبع تؤثر على مسار اتجاه الأسعار وتكيف أداءها بحسب استراتيجياتها. إن مثل هذه المحددات الخارجة عن أساسيات قوى السوق في رسم مسار اتجاه الأسعار فرضت على التجارة النفطية ثقافة تحكمها لعبة التوقعات، ومن يعرف يلعب وفق قواعدها، وكان ذا حظ موفق، استطاع أن يدير استثماراته جيدًا، وهكذا أصبحت منهجية التداول تتم وفق لعبة التوقعات.

لعبة التوقعات
تتوقف مهارة لاعب البوكر الورقية على قدرته في تقدير ما يحمله زملاؤه وخصومه من ورق، وبحسب صواب توقعاته يفوز في اللعبة وهو أيضا الذي يتم مع لاعب الروليت عند اختياره لرقمه السعيد، فبحسب دقة توقعاته يتحدد ربحه أو خسارته، ومثل ذلك تماما ما يجري في البورصات كما هو في التجارة النفطية، حيث تلعب التوقعات في تشكيل مسار التوجهات والأحداث التي يراهن عليها المتداولون في أسواقها، بغض النظر عن موضوعية المعطيات التي تأسس عليها وجهة النظر وتترسخ القناعة فيها لاتخاذ القرارات التي قد تصيب وقد تخطئ. وتطبيقات فنون التوقعات تدخل في أسباب ونتائج اعتبارات كثيرة، فهي تدخل في اللعب والتجارة والسياسة، وحتى في وجدانية العلاقات الإنسانية والاجتماعية، والكل يعمل بها في تحديد توجهاته، فمن منا لا يمارس لعبة التوقعات في ترجيح اتخاذ قراراته، فهي للرهان منهج لتحقيق الفوز في الألعاب والأساس لاتخاذ القرار، وفي العلاقات الاجتماعية والوجدانية هي تحفز المبادرة للتعاون والتواصل، وفي السياسة مطلب لتحقيق تفوق وتقدم قيادي على الخصوم والشركاء، كما هي أيضا في التجارة بل وأكثر من الاعتبارات السابقة شرط في التطبيق لاتخاذ القرار وتحديد وجهة مسار الأحداث، ففي البيع والشراء والاستثمار تلعب التوقعات دورًا مهمًا في تحديد القرار، ولعل أكثر التوقعات جدلاً وسخونة في طبخ نتائج الأحداث تتمثل في تجارة السوق النفطية.
إن ديناميكية النمو في مستوى أسعار النفط جاءت في الدرجة الأولى نتيجة محرك لعبة التوقعات على جملة من العوامل، وليس فقط بدافع نتائج التحليل العلمي لجوهر الأسباب الاقتصادية، التي أصبحت ثانوية التأثير في صنع التوقعات واتخاذ القرار، خصوصا في فترة الثلاث سنوات الماضية، إذ لعبت ثقافة التوقعات على خلق نفسية متوترة بين أطراف التداول في سوق التجارة النفطية، قادتها إلى ممارسة سلوكيات متذبذبة ومضطربة في التداول، دفعت الأسعار بين ارتفاع حاد وتراجع متقلب.
حيث لم يكن أداء أسعار النفط في السنوات الثلاث الماضية محكومًا فقط بمعطيات وبيانات العوامل الاقتصادية ولا بالمعالجة العلمية لها لتحديد مسارها، بل أصبحت التجارة النفطية تتأثر بشكل مباشر وبليغ في أدائها بلعبة التوقعات، التي تتشكل في معطياتها من كل شأن له علاقة مباشرة وغير مباشرة في اتخاذ القرار بغض النظر عن موضوعيته.
لقد أصبحت القراءة المستقبلية تحدد قرار اليوم والتكهن يكيف الأسباب بالنتائج ويبررها وأسعار الحاضر تتحدد باتفاقيات المستقبل، فما نشهده اليوم من نمو لأسعار النفط هو نتيجة تغير اتجاه التوقعات من الهدوء إلى الحدة والتوتر، والعكس صحيح. فمن توقعات لبرودة الشتاء والتقديرات في تأخر الإمدادات، إلى موسم الصيانة وانخفاض القدرات الإنتاجية أو تأخرها إلى موسم الأعاصير مع التخمين في قوة الأعاصير إلى التحليلات عن هدنة مؤقتة في الملف النووي الإيراني وتقديرات عن ارتفاع في مستويات مخزونات النفط والمنتجات، مثل تلك القراءات تكون ريشة رسم صورة مسار اتجاهات الأسعار، التي من شأنها أن تدفع كثيرا من المتداولين في السوق إلى تصريف شراء أو بيع عقودهم الإضافية، فمن زيادة في الأسعار إلى انخفاض ودواليك بين هذا وذاك.

كيف نقرأ مستقبل الأسواق
ستشهد الصناعة والتجارة النفطية اندماجات جديدة بين الشركات النفطية للسيطرة على مزيد من الاحتياطات وتحقيق أرباح قياسية، وسيكون في نهاية عام 2009 الانتهاء من ترتيبات هذه الصفقات للانطلاق بتنظيمها وإبرامها. وستصبح تكنولوجية معدات الحفر والتنقيب متطورة ومحتكرة، وسيكون الاستثمار فيها من أولويات التوظيفات الرأسمالية، وستكون أسعارها مرتفعة جدا، لتحقيق أكبر ما يمكن من الأرباح بسبب احتكار تكنولوجيتها.
تتوقف توقعات المرحلة المقبلة في تحديد مسار اتجاه الأسعار على ثبات المعطيات القائمة حاليا للعوامل الاقتصادية والجيوسياسية والفصلية والمناخية، وعلى السياسات النقدية فى أمريكا بشأن الفائدة وخفض سعر صرف الدولار وعلى مدى تماسك أوبك في اتخاذ قراراتها بخفض مستويات سقف إنتاجها، وعلى مستوى كفاءة الطاقة التشغيلية للمصافي في تحديد حجم نطاق أعمال الصيانة، فإن لم يكن هنالك توتر في المعطيات الجيوسياسية والمناخية، واستقر الاعتقاد والتوقع على عدم خفض أوبك لإنتاجها، فإن الأسعار ستتجه نحو الانخفاض، أما إذا كانت التوقعات تميل إلى قيام أوبك بخفض إنتاجها، وقيام المصافي بإجراء أعمال صيانة كبيرة من شأنها أن تؤثر على الطاقة الإنتاجية، وبالتالي على حجم المعروض من المنتجات، فإن مثل ذلك من القرارين سيتسببان في ارتفاع الأسعار، بمعنى أن لعبة التوقعات لأسعار النفط في المرحلة المقبلة تتوقف على أوبك والشركات النفطية وعلى السياسة النقدية فى أمريكا.
عندما بلغت أسعار النفط 50 دولارًا للبرميل قيل أن هذا المستوى سيؤثر على الاقتصاد العالمي للركود والتباطؤ، لكن أداء الأسعار كان أصم، فتجاوزت ذلك الى 60 ثم 70 دولارا، وهي الآن تخطت أعتاب المئة دولار للبرميل، والاقتصاد العالمي مستمر في النمو، فأين ذلك التحذير والتخوف والأسعار مرتفعة والاقتصاد لم يمنعه من النمو؟!
حسب تقديرات وكالة الطاقة العالمية فإن الطلب على النفط في عام 2008 سيبلغ 87.8 مليون برميل يوميًا، بما يعادل أكثر من برميل في الثانية، وبتنامي معدل الطلب بمثل هذه الوتيرة فإن أسعار النفط ستشهد ارتفاعًا متواليا بغض النظر عن أداء الاقتصاد العالمي تباطؤا أو نموا. وتتوقع الوكالة أن تبلغ أسعار النفط 70 دولارًا للبرميل بحلول عام 2016، وذلك بسبب زيادة الإنتاج نتيجة زيادة التوظيفات الاستثمارية والاستكشافات وتطوير القدرات الإنتاجية. ثم بعد عام 2016 ستبدأ الأسعار في الارتفاع وبحلول عام 2030 ستبلغ أكثر من 113 دولارًا للبرميل.

إن المحددات التي نستطيع أن نستطلع ونستقرئ على ضوئها اتجاهات السوق النفطية في تحديد أسعار النفط للفترة من 2008 الى 2030 هي نسبة النمو المتوقع في حجم استهلاك النفط والغاز الطبيعي العالمى، وحجم الإنتاج من دول خارج أوبك، وحجم استكشافات الطاقة الجديدة، ومعدل نمو إنتاج مصادر الطاقة غير الهيدروكربوني والمتجددة، وسياسات أوبك في السوق النفطية، وتطور الصناعة النفطية وأداء الاقتصاد العالمي، والسياسات الاقتصادية والنقدية المتعلقة بسعر صرف الدولار، واتجاهات معدلات الفائدة واستراتيجيات الشركات النفطية والأوضاع الجيوسياسية والأمنية وتأثيرها على الإمدادات النفطية.
عندما يتم تخفيض معدل الفائدة فإنها تعمل على زيادة السيولة في الأسواق، مما يؤدي إلى زيادة القوة الشرائية، التي تسهم في تحفيز الطلب ورفع معدل التضخم وخفض القيمة الشرائية للدولار، وانخفاض سعر صرفه سيدفع المستثمرين إلى تحول استثماراتهم وتخزينها في تجارة السلع، خصوصا النفط، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعاره. فدور السياسات النقدية مؤثر في أسعار النفط، وسيكون سعر الصرف والتغير في معدلات الفائدة أحد المحددات الفاعلة في توجيه أسعار النفط خلال عامي 2008 و2009. ولكى نتعرف بشكل دقيق عن هذه العلاقة بين الدولار والنفط، وهل بالإمكان التحول من الدولار إلى اليورو من المهم أن نرجع جذورها.

زبال وشاكل وردة
اعترف العالم بمقتضى اتفاقية بريتون وودز عام 1945 بالدولار الأمريكي كعملة الاحتياط الدولية وأساس الاستقرار النقدى، بشرط دوام قابليته للتحويل إلى ذهب. وبتوسع حجم التجارة الدولية توسعت الولايات الأمريكية في إصدار الدولار لتمويل الإنفاق الدولى، وتبعًا لذلك استوردت كميات ضخمة من السلع والخدمات لأنه بقدر ما يتداول الدولار خارجها ، أو يستثمر من قبل مستثمرين في أصول تجارية أمريكية داخلها ، بقدر ما يتوجب على بقية العالم أن يزود الولايات المتحدة بالبضائع والخدمات مقابل هذه الدولارات التى لم تكلفها شيئًا في إنتاجها لها وفى استيرادها للسلع والخدمات.
لم تكن المعطيات الاقتصادية للولايات المتحدة وحدها التى تسوغ ذلك التوسع فى التجارة الدولية والإنفاق المحلى العام ، بل نفوذها فى احتكار مصادر الطاقة والدفاع العسكرى العالمى ، ونتيجة لذلك التوسع العشوائى ومع وصول الولايات المتحدة الذروة فى إنتاج النفط وبداية مرحلة انحدارها الاقتصادى وظهور عجز تجارى ودين حكومي خارجي أصبحت الفجوة كبيرة جدًا بين حجم احتياطات ذهب البنك الفيدرالى ومقدار إصداراته النقدية، طلب شركائها التجاريين صيف عام 1971 استبدال الدولارات التى بحوزتهم إلى ذهب حينها رفضت الولايات الأمريكية تحويل الدولار إلى ذهب ، واعتمدت نظام العملات العائمة دون نية إعادة مبادلتها التجارية مدفوعة بالذهب ، ضاربة بعرض الحائط التزاماتها التعاقدية بموجب اتفاقية "بريتون وودز"، ولم يستطع العالم فى شبكة مصالحه العنكبوتية العالمية والمقيمة تجارته بالدولار أن يفعل شيئا حيال ذلك، واستمر الدولار نافذاً عملة التجارة الدولية الوحيدة، حتى وصل إلى ما يقرب من ثلثي كل احتياطيات التبادل الرسمي العالمى وأكثر من أربعة أخماس كل التعاملات التبادلية الأجنبية.
إن الذى مكن ورسخ مكانة الدِولار كعملة الاحتياط العالمية وعزز هيمنة الولايات الأمريكية على التدفقات الاقتصادية العالمية هو تحكمها طيلة القرن الماضى فى التجارة والصناعة النفطية، حتى أصبح من لا يمتلك الدولارات لا يستطيع شراء النفط ، وسيستمر طلب دول العالم على حيازة الدولار طالما ضلت مضطرة لشراء النفط لتدوير آلتها الصناعية، وهكذا يبقى الدولار عملة أساس الاستقرار النقدى العالمى دون الحاجة إلى ضمان الذهب واقتصاد متعافى كباقى العملات ، وكلما زاد الطلب على النفط مع نمو الاقتصاد العالمي يزداد الطلب على الدولار، ووفق هذه الآلية نجحت واشنطن في ترسيخ هيمنتها الاقتصادية العالمية مجانيا ضامنة بقاء الدولار عملة الاحتياط العالمية. وفى سبيل إحكام سيطرتها على ذلك ألزمت الولايات الأمريكية بصفتها صانع منظمة أوبك والوكيل الحصرى لها الدول الأعضاء المنتجة فيها فى عام 1972 باتفاقية عدم قبول أية عملة غير الدولار في مبادلاتها النفطية، التى أطلق عليها اتفاقية البترودولار.
لقد كانت أحد الأهداف الاقتصادية الرئيسية ، من إطلاق عملة اليورو تحويله إلى عملة احتياطية عالمية جنبا إلى جنب الدولار ، بحيث تستطيع دول منطقة اليورو أيضا ًأن تحصل على بعض الشيء من كل شئ لقاء لا شيء، عندها قد تخسر الولايات الأمريكية نسبة كبيرة من واردات السلع والخدمات المجانية ، وسيتهاوى سعر صرف الدولار وتضعف قوة قيمته الشرائية وترتفع تكلفة الاستيراد فتزداد الديون ويرتفع التضخم وتهبط المستويات المعيشية ، نتيجة تحول الاحتياطات الدولية من الدولار إلى اليورو، ولن يكون البنك الاحتياطي الفيدرالي قادراً بعدها على طبع المزيد من النقود لإنعاش الاقتصاد كما يفعل الآن.
ولكن هل من المتوقع أن يصبح اليورو عملة الاحتياط الرئيسية ومازال النفط يسعر بالدولار ويسيطر على سوق النفط العالمي !.
وهل تستطيع أوبك إلغاء اتفاقها الذى أبرمته عام 1972 مع الولايات المتحدة وتطبيق نظام البترويورو بدلا عن البترودولار مقابل نفطها ؟.
أعتقد إن الإجابة عن هذه التساؤلات يجيب عنها بالسؤال متى تنهار الحضارة الأمريكية؟
ويبقى التساؤل ماذا لو فسرنا الأحداث التى مرت بها المنطقة العربية وفق مثل هذا المنطق فهل سنقبل بنتائجها ؟ برأيى أنه سيضل الاستيعاب واحد لايتغير بسبب الثقافة السائدة عربيًا !! ولكن الأهم من ذلك التساؤل هو فى من الذى سبق وحرك الدعوات ببيع النفط مقابل عملة اليورو ، ومن بدأ مؤخرًا يحرك إيران على ذلك ، ويشجع على إقامة بورصات لتجارة النفط فى منطقة الخليج ليوظفها لصالحه مبتزا الولايات المتحدة بورقة استبدل البترويوور عن البترودولار !!.

حجم الاحتياطيات
منذ اكتشاف النفط في عام 1859 تم استهلاك كمية من النفط، قدرت حتى الآن بمقدار يصل إلى 875 مليار برميل، ويقدر المتبقي بمليار برميل كاحتياطي موثق، وهو موزع في الدول وفق النسب التالية 6 % أمريكا الشمالية، 9 % أمريكا اللاتينية، 2 % أوروبا، 4 % آسيا الباسفيكية، 7 % أفريقيا، 6 % الاتحاد السوفييتي السابق، وأكبر نسبة من الاحتياطي تبلغ 66 % موجودة في الشرق الاوسط، وهي متمثلة في المملكة العربية السعودية بمقدار 25 % والعراق 11 % والكويت 9 % والإمارات 9 % وإيران 8 % وليبيا 2 % وسيتراجع إنتاج معظم الدول من النفط وستخرج دول كثيرة من نادي الدول المنتجة بحلول عام 2025، باستثناء منطقة الخليج الذي ستمثل نسبة الاحتياطي فيها عام 2020 نسبه 83 % من الاحتياطي العالمي، وستبدأ بالدخول بحلول عام 2025 في مرحلة الذروة بالإنتاج، وستمتد هذه المرحلة سنوات عدة، ثم تدخل بمرحلة النضوب بمدة أربعة أو خمسة عقود، فالفتره المتبقية للدول من خارج دول أوبك في القدرة على إنتاج النفط من الآن مدة 15 سنة، وبالنسبة لدول الخليج فإن عمر الاحتياطي المتبقي لديها سيبقى لمدة 80 سنة.

الكل يريد امتلاك سيارة
يساهم النفط بنسبة 40 % في تزويد العالم من احتياجاته للطاقة كمصدر من بين كل المصادر الأخرى، وكمادة أولية لأكثر من 400 ألف منتج صناعى، ويمد قطاع النقل كمصدر لطاقة تشغيلة 96 % من بين مصادر الأخرى في استخداماته كمصدر لوقود النقل. فعدد المركبات حاليا في العالم يبلغ 700 مليون سيارة وبحلول عام 2025 سيبلغ عدد المركبات أكثر من 1.25 مليار سيارة، ومعنى ذلك أن حجم استهلاك وقود النقل سيبلغ الضعف عندها. وسيرتفع الاستهلاك العالمي للنفط بنسبة 60 % من الآن وحتى عام 2020 وسيكون نمو الاستهلاك في قطاع النقل هو الأسرع والأكثر طلبًا.
في الولايات المتحده كل ألف سيارة يقابلها ألف شخص بالغ، وفي ألمانيا نجد أن كل 550 سيارة يقابلها ألف شخص بالغ، بينما في الهند كل 4 سيارات يقابلها ألف شخص بالغ، ومع تحسن الاقتصاد الهندي واستمرارهم بذلك النمو الاقتصادي الذي تشهده الآن، الذي هو مستمر منذ 3 سنوات على التوالي بمعدل 9 % والتغير الديموغرافي في عدد السكان بنمو فئة الشباب فيها، الذين سيحرصون على اقتناء السيارات ومع تحسن المعيشة فإن الطلب على السيارات سيزداد، ومعنى ذلك أن الهند بهذا النمو الاقتصادي ستشهده من المؤكد سوف يساهم في زيادة عدد السيارات مقابل الأشخاص البالغين، إذ يقدر أن يبلغ حجم مصروفات المستهلكين ترليون ونصف الترليون بحلول عام 2025. ومن المتوقع أن ذوي الدخل المتوسط سيبلغ تعدادهم 583 مليون نسمة من بين السكان الآخرين بحلول عام 2025، والمعروف عنهم تفضيلهم للصرف عن الإدخار، وبحسب رأي الخبراء أن هؤلاء في ضوء انخفاض قيمة امتلاك السيارة مثل الذي يتم تحذيره الآن في سيارة نانو، التي تم إنتاجها من شركة تاتا بقيمة أقل من 2500 دولار، وسيتمكن الكثير من امتلاكها، مما يؤدي الى زيادة استهلاك النفط.

تعتبر الصين والهند أكثر الدول نموًٍٍا في الاستهلاك في العالم، ويقدر أن يصل استهلاكهما للنفط في العقدين المقبلين بمعدل 7.5 % ومعدل 5.5 % على التوالي، مقابل نمو 1 % للدول الصناعية السبع، حيث إن الصين والهند يمثلان معا ثلث عدد سكان العالم فإنه من الضروري أن يسعيا إلى توفير احتياجاتهما من الوقود.
يمثل الوقود 3.5 % من حجم إنفاق الأسرة الأمريكية حسب مصلحة الاحصاء الاقتصادي الأمريكي، في حين انه كان في عام 2006 يمثل 3 %، متراجعا عن القيمة التي سجلها في عام 81، التي تقدر بـ 5.2 % من حجم الأسرة بعد معالجتها في معامل التضخم وسيبلغ اعتماد الولايات المتحدة على مصادر الطاقة غير المتجددة ونعني به الوقود الاحفوري بنسبة 83 % بحلول عام 2030 متراجعا عن نسبته 85 % التي كانت في عام 2006، وسيبلغ متوسط الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية 2.3 % خلال الفترة من 2008 حتى 2030.

تهمة التضخم
منذ ثلاثة عقود ونيف والتهم تنهال على النفط عند ارتفاع أسعاره بأنه السبب وراء زيادة الضغوط التضخمية والانكماش والتباطؤ الاقتصادى العالمى على اعتبار أن التضخم ينشأ من زيادة الطلب عن العرض للسلع والخدمات بما يؤدى إلى ارتفاع تكلفة الأسعار نتيجة الزيادة في الإنتاج عن الطلب الكلي، أو بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج ولم تكن التحليلات والمعالجات فى السابق ترتكز على أساسيات عوامل السوق لتقييم دور أسعار النفط على أداء الاقتصاد العالمى، بقدر ما تعكس استحقاقات استراتيجيات الشركات النفطية والدول الصناعية السبع الكبار والتلاعب بالطلب والعرض وتعثر تنفيذ قرارات منظمة أوبك ، فى حين نجد أنها مؤخرا قد تغيرت وبدأت تعبر بصراحة عن طبيعة سلعة النفط الاستراتيجية وتتجاوب باتساق أكثر موضوعية مع أساسيات عوامل السوق عبر استمرار تنامى الطلب لمجارات المعطيات والتطورات الاقتصادية العالمية ، وليس العكس كما كان سابقا بمجرد أن ترتفع أسعار النفط نتيجة أزمات جيوسياسية أو من نمو اقتصادى حتى يبدأ المصدرون والموردون باتخاذ سياسات من شأنها أن تعمل على الحد من نمو أسعار النفط من الارتفاع ومنع تفاعلها مع أساسيات السوق بحجة كبح التضخم وتحميل ارتفاع أسعار النفط وحده تبعية التباطؤ الاقتصادى.
ينقسم التضخم إلى عدة أنواع فهناك العادى والمتسلسل وجاذب الطلب والمستورد ، ويتناسب طرديًا فى معدلاته مع كمية النقد، وعكسيًا مع حجم الإنتاج ، وتظهر الآثار السلبية للتضخم عندما ترتفع الأسعار المحلية بشكل أسرع من ارتفاع الأسعار العالمية فتتراجع الصادرات وتتزايد الواردات ويختل ميزان الحساب التجارى والمدفوعات، وتصبح الدولة مدينة ويتباطأ النمو وتتفاقم الأزمات الاقتصادية مثل البطالة وانخفاض مستوى المعيشة وتشوه هيكل الأسعار، مما يجعل الدولة تلجأ إلى إصدار نقود بلا غطاء لتمويل جانب من الانفاق العام، مما يؤدي بالنتيجة إلى ارتفاع تكاليف أسعار الصادرات ، وإنتاج سلع رديئة النوعية بهدف إطفاء العجز التجارى وتلبية الاستهلاك السريع، وهذا ما تخشاه دول العالم وتتحاشاه الدول الصناعية السبع. إن تكوين الضغوط التضخمية ليس دائما يرجع إلى ارتفاع تكاليف الطاقة أو كلفة السلع بل إنها ترجع إلى عدة أسباب اقتصادية أخرى منها ارتفاع الضرائب على الطاقة والتباطؤ فى نمو الإنتاجية وتدنى مستواها وزيادة تكاليف الأجور التى تجعل تكاليف وحدة العمل باهضة كما إن ارتفاع هوامش أرباح الشركات والتوسع الكبير فى السيولة المالية يساهم أيضًا فى نمو التضخم .
معروف أن الطلب عندما يتراجع فإنه يعالج بتخفيض أسعار الفائدة، وعندما ترتفع معدلات التضخم تعالج برفع أسعار الفائدة، ولكن فى حالة ارتفاع أسعار النفط الذى يؤدى إلى انخفاض الطلب وارتفاع معدلات التضخم فى نفس الوقت، فالأفضل ألا تستجيب البنوك المركزية إلا بالقليل وبالقدر المحسوب لتخفيف الآثار السلبية لارتفاع أسعار النفط ، وهو الأمر الذى تداركته البنوك المركزية مع موجة ارتفاع الأسعار فانتهجت سياسات مختلفة فى التعامل مع المستجدات والتطورات الاقتصادية التى يشهدها العالم لإبقاء معدلات التضخم منخفظة واستمرار نمو الناتج المحلى العالمى ، وهو ما يفسر تلقائية سياق أداء أسعار النفط مؤخرًا مع أداء الاقتصاد العالمى بتقبله لها وتجاوبها معه فى السبب والنتيجة من خلال السياسات النقدية والمالية ، فقد استمر النمو الاقتصادى العالمى دون تراجع على الرغم من ارتفاع أسعار النفط بمعدلات قياسية حيث حقق اقتصاد الصين والهند السنة الماضية نموا يصل إلى 11% والولايات المتحدة الأمريكية 3.5% وحققت منطقة اليورو نموًا بلغ 2.7% العام الماضى وهو أسرع معدل يتحقق منذ ست سنوات. إن الفارق بين الوضع الحالى وأزمة النفط فى السبعينيات هو المبالغة فى توقعات التضخم وتعليل مسبباته ومنهجية معالجاته.

دعوة للتأمل
في منتصف التسعينيات من القرن الماضي تم الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة لتنفيذ الاستراتيجيات، التي اتخذت لتحقيق أهداف الرؤى والمهمات لتجارة وصناعة النفط من قبل أصحاب القوى الاقتصادية العالمية.
وتجلى ذلك عندما بدأت توصيات البنك وصندوق النقد الدوليين طريقهما إلى التنفيذ، بدعوى تجنب كساد اقتصادي وأزمات مالية، فتم انتهاج وتطبيق سياسات اقتصادية مالية وتجارية على المدى القصير (بحد أقصى 5 سنوات) تعتمد برنامجا يعمل على رفع معدل الفائدة وتخفيض قيمة المواد الأولية والمنتجات من السلع والخدمات على المدى القصير.
وقد شهد العالم تأثير مثل هذه السياسات، كما اتضح فى السياق السابق حيث بدأت تتراجع أسعار النفط، بدءًا من عام 1995 وكان أدنى مستوى لها في عام 1998، كما أن أسعار صرف العملات تذبذبت ومرت بحالة من عدم الاستقرار لافتعال أزمات اقتصادية في دول النمور الآسيوية لكبح جماح النمو التجاري الذي يشهده اقتصاد هذه الدول بما يمثله من تهديد في زيادة حدة العجز في الميزان التجاري وتباطؤ الاقتصاد لشركائها في التجارة مثل أوروبا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية، لكن تبقى الأهداف الرئيسية لنخب الفاعليات الاقتصادية الموجهة إلى هذه السياسات محل موضوع توصيات البنك وصندوق النقد الدوليين لفتح وتحرير الأسواق وتهيئة المؤسسات الاقتصادية لمرحلة الاندماجات التي شهدنا بعضًا من مشاهد فصولها يتم مع نهاية التسعينيات، ولو لم يتم تنفيذ هذه التوصيات لأصبحت تكلفة الاندماجات أضعاف ما تمت وانتهت عليه.
كانت الاندماجات بين شركات النفط هي الأكثر مطلباً وغاية من هذه الأهداف، وبمجرد ما تحقق المستهدف منها تم تغيير السياسات الاقتصادية تماماً باتجاه عكسي لدرجة 180 درجة، وذلك بتخفيض الفائدة إلى أدنى قيمة لها، ما أمكن ورفع قيمة السلع الأولية والخدمات، وقد بدأت ملامح هذه السياسة تثمر بنتائجها في عام 2001 على الرغم من أحداث سبتمبر، التي يفترض أن تتسبب في أزمة اقتصادية. حيث بدأت أسعار السلع والخدمات ترتفع مع كل انخفاض للفائدة، وبلغت تمام وظيفتها في عام 2004 فها هي الشركات النفطية تحقق أفضل العوائد وترتفع قيمة أسهمها السوقية بمعدلات قياسية وأصبحت تدير الأحداث السياسية والاقتصاد العالمي، ومن كان يملك إدارة دفة قيادتها ويتفق مع أهداف صانعي السياسات الاقتصادية فرض وصفته لمعالجة الخلل في الميزان التجاري والاقتصاد المحلي.
فهذه الولايات المتحدة الأمريكية تعالج الاختلال في الاقتصاد المحلي، وتحد من تنامي العجز في الميزان التجاري وتفتح أسواقا لصادرات منتجاتها الصناعية، وتتلاعب في سعر صرف عملتها على حساب اقتصاد شركائها في أوروبا واليابان والصين، كل ذلك تم بالوصفة الاقتصادية من خلال الشركات النفطية، وذلك برفع أسعار النفط والتلاعب في أسعار الفائدة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الخطوة المقبلة والاقتصاد العالمي بالقاطرة الأمريكية متجها إلى الركود، هل سيكون هناك تراجع في أسعار الطاقة وخفض لأسعار الفائدة، أم هو عكس ذلك؟! في رأيي حسبما هو في أجندة النخب الاقتصادية العالمية ووكلائهم من السياسيين أنه سيكون متناقضًا ومتذبذبا بين ارتفاع لأسعار النفط وانخفاض للفائدة لتحقيق مزيد من الاندماجات بكلفة أقل، فالشركات النفطية بدأت تدخل في تحالفات فيما بينها في المشاريع، وسياستها الإعلانية واضحة في شراء أكبر، ما يمكن من الأسواق تمهيداً لجولة من الاندماجات الجديدة لإدارة مشاريع شركات النفط الوطنية.

بدائل الطاقة
كثيرًا ما نستعمل كلمة طاقة في مفرداتنا اليومية في العمل والراحة، كونها المصدر الأساسي لتسيير الحياة اليومية، فهي أصل المادة وبقاؤها في شكلها القائم قبل التحول. وقد دأب الإنسان منذ أن خلقه الله وهو يبحث عن مصادر الطاقة واستكشاف آفاقها ليؤمن حاجته من نور ودفء وحركة ونقل لتسير كل مستلزمات معيشته.
وتتنوع مصادر الطاقة، فمنها المتجددة: كالمد والجزر والرياح والشمس والكتلة الحيوية والأمواج والمياه الحارة الجوفية، ومنها الناضبة: كالغاز الطبيعي والفحم والذرية والنفط، ويعتبر النفط أشهر مصدر للطاقة، حيث يمثل 36 % من الاحتياجات العالمية، بينما يسهم الغاز الطبيعي بنحو 24 %، والفحم الحجري 25 % والمصادر الأخرى المتجددة بنسبة 15 %.
كان استهلاك العالم من الطاقة في عام 2005 نحو 11500 مليون طن مكافئ نفط (م.ط.م. ن)، منها 9120 م. ط. م. ن من الوقود الأحفوري و630 م. ط. م.ن من الطاقة النووية و640 م. ط. م. ن من الطاقة المائية، يضاف إلى ذلك أكثر من 1110 م.ط.ن.م. من الطاقة غير التجارية، معظمها من الكتلة الحية وفق تقديرات وكالة الطاقة، ونستطيع أن نقدر أن استهلاك العالم من الطاقة سيبلغ في عام 2007 نحو 11850 مليون طن مكافئ نفط (م.ط.م. ن)، على نحو منها 9400 م.ط.م.ن من الوقود الأحفوري، و650 م.ط.م.ن من الطاقة النووية، 660 م.ط.م.ن من الطاقة المائية، يضاف إلى ذلك أكثر من 1140 م.ط.م.ن. من الطاقة غير التجارية، معظمها من الكتلة الحية.
إن الذي يجعل النفط يمثل النسبة الأكبر من بين مصادر الطاقة الأخرى يعود إلى عدة أسباب منها ملاءمة كلفته الاقتصادية في عملية النقل والتخزين والإنتاج، فهو الأكثر سهولة لسيولته من مصادر الطاقة الأخرى، التي على شكل مادة صلبة كالفحم أو الغازية كالغاز الطبيعي والهيدروكربونى. ويمتاز النفط بكثافة الطاقة قياسا بالمصادر الأخرى، فالجالون الواحد فيه كمية طاقة تقدر بنحو 40 كيلو واط/س. وحيث إن النفط يمكن تكريره ليعطي أكثر من صنف ومنتج لمختلف الاستخدامات من وقود لوسائل النقل والتدفئة والصناعات وأسمدة في الزراعة ومستلزمات المعيشة المتعددة. ولعل أهم خصائص النفط أن نسبة الطاقة المبذولة لاستخراجه إلى الطاقة المستخرجة منه تمثل 8.4 إلى 11.1 فهي في المتوسط من واحد إلى تسعة ونصف، بمعنى أنه عند صرف وحدة طاقة مبذولة واحدة للحفر والإنتاج والنقل وتجهيز موقع العمل والتخزين، وكل ما يستلزم من جهود التنقيب والإنتاج فإن وحدة الطاقة المرتجعة تكون من 8 إلى 11 وحدة. وذلك بحسب طبيعة البئر، فبعض الآبار تصل وحدة الطاقة المسترجعة إلى 100 وحدة عند صرف وحدة طاقة مبذولة واحدة. فالآبار من منطقة الخليج هي في العموم الأكثر كفاءة من حيث الطاقة المسترجعة إلى المبذولة.

معايير تقييم مصادر الطاقة:
كما ذكرنا تنوع مصادر الطاقة، سواء ذلك المتجدد منها مثل الرياح والطاقة الشمسية والمد والجزر والكتلة الحيوية والأمواج، أو عن تلك الناضبة منها مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم والقوة النووية والحرارة الجوفية، ولعل من المفيد أيضا التحدث عن متى يصبح ذلك المصدر فعالا ومناسبا لتأمين احتياجات المجتمع الأساسية من الطاقة، ولكي نستطيع تحديد المصادر في جدوى استخدامها وملاءمتها لتوليد الطاقة، لابد من إخضاعها للتقييم، وسنذكر أربعة معايير في ذلك، وإن كان هناك غيرها، لكن الآتي هو المهم فيها:
أول المعايير هو مقدار ما يعطي المصدر من طاقة صرفة، فمعروف أن الطاقة تتحول من صورة إلى أخرى، ولإنتاج طاقة ما لابد من استهلاك مقدار معين لأحد أشكال الطاقة، وبحسب الآلية المستخدمة للإنتاج، تتحدد معها الطاقة المبذولة لتوليد تلك المستهدفة، فمثلا للحصول على طاقة ضوئية فإنه يتطلب بذل مقدار معين من طاقة حرارية أو ميكانيكية، وكذلك إذا كانت الحاجة لتوليد طاقة ميكانيكية فإنه يتطلب استهلاك قدر
مناسب من طاقة حرارية أوكهربائية، وهكذا يصبح تحويل الطاقة من صورة إلى أخرى يستلزم الأمر معه استهلاك قدر معين من طاقة في صورة ما لإنتاج كمية أخرى من الطاقة بالصورة المناسبة حسب الحاجة المطلوبة، لكن يتوقف جدوى إنتاج طاقة ما وتحويلها من صورة إلى أخرى على كفاءة وفعالية وكمية وتكلفة مصدر الطاقة المستهلكة بالنسبة للمنتج عنها، فإذا كان مصدر الطاقة المستهلكة يفوق ما ينتجه من طاقة مستهدفة في كميته وتكلفته، فإنه لا يعتبر مصدرًا على الإطلاق، وعليه يأخذ من هذا القياس معيارا لتقييم مصادر الطاقة.
وثاني المعايير مدى إمكانية مصدر الطاقة للاستمرار في مداده، فإذا كان المصدر غير قابل للتجدد وأنه سينفد قريبًا، فإنه مع الوقت يصبح عديم الفائدة.
وثالث المعايير أن يكون مقدار كلفته على البيئة غير كارثى، فمثل حركة المد والجزر والطاقة الشمسية كمصادر للطاقة يعتبران غير باهظي الكلفة على البيئة، في حين الفحم والأخشاب ومخلفات الحيوانات باهظي الكلفة على البيئة، كما أن النفط الخام أكثر تدميرًا للبيئة من الغاز الطبيعى.
ورابع المعايير قابلية مصدر الطاقة للنقل والتخزين والتوزيع، بمعنى ملاءمة المصدر من حيث كلفة التشغيل والنقل ومدى نطاق تكيفه في الاستخدام لتوليد الطاقة، وفي التطبيقات التكنولوجية، فمعروف أن الوقود السائل كالنفط الخام هو الأسهل من حيث النقل والتخزين والاستخدام. بينما الرياح والهيدروجين يصعب تخزينهما ونقلهما، والتنوع في استخدامهما وملاءمتهما.
وفيما يلي سنستعرض أنواع الطاقة غير المتجددة وتلك المتجددة:

أولا: مصادر الطاقة غير المتجددة
أهم مصادر الطاقة النفط فهو يمثل أكثر من 36 % من بين مصادر الطاقة المتجدد منها وغير المتجدد، وسنتناول مصادر الطاقة الأخرى وفق نسبة المساهمة.

*الغاز الطبيعى
يعتبر الغاز الطبيعي هو الأنسب بعد النفط من حيث مواءمة كفاءته كمصدر للطاقة في سهولة الإنتاج وكمية الطاقة المسترجعة من المبذولة والإنتاج الصناعي والزراعي والاستخدامات المعيشية. ويتميز الغاز عن النفط بأنه أكثر كفاءة بالاحتراق، وأقل تلويثا للبيئة. تشكل الغاز الطبيعي قبل ملايين السنين عبر احتمالات متعددة، يعتقد البعض أنه عبر القرون تراكمت مجهريات عضوية حيوانية ونباتية على سطح المحيط. وأن جزيئات الصخور غطتها تدريجيًا، لتشكل ما سمي، بفتحة صخرية. وقد جرت عملية تحلل بطيئة ضمن فتحة الصخر حولت المجريات العضوية الى فحم سائل. والفحم السائل هو مركب تشكل ببطء من الكربون وذرات الهيدروجين. تحتوي بعض الجزيئات في تركيبتها على أقل من أربع ذرات فحمية. ويعتبر هذا الهيدروكربون، الخفيف جدا، هو العماد الرئيسي للغاز الطبيعي. الميثان هو النوع الأفضل، وتتألف جزيئاته من ذرة فحم واحدة، لكل أربع ذرات من الهيدروجين. حين يستخرج من مستودعاته، ويتم التخلص من شوائبه، ينقل الغاز الطبيعي الى مناطق التوزيع. عبر مسافات طويلة، وهو بشكله السائل ومن خلال بواخر مخصصة للميثان. إلا أن نقل الغاز وتخزينه يتطلب استثمارات واستعدادات هائلة لإبقائه تحت درجة 176 مئوية تحت الصفر كي يظل بالصورة السائلة حتى يتم تفريغه، وقبل أن يوزع على المستهلك، يتعرض لسبل علاج متعددة. ولأسباب أمنية يتم ضخ كميات بسيطة من محلول كيميائي يحتوي على السولفر إلى داخل الغاز. لجعل رائحة للغاز، بحيث يمكن التعرف عليه بحال تعرضه لتسرب ما.
تقدر احتياطات العالم من الغاز الطبيعي 1100 تريليون قدم مكعب، وهذه الكمية قد تكفي لمدة 50 عاما مقبلة وفق الاستهلاك العالمي الحالي، ويوجد ثلث هذا الاحتياطي في منطقة الشرق الأوسط.
يبقى التساؤل مطروحًا، هل سيحل الغاز محل النفط أم أنه سيجري عليه ما هو على النفط؟ وهل سيتبع إنتاج الغاز الطبيعي منحنى هوبيرت «الجرس» كما هو بالنسبة للنفط؟
عند قياس تطور عملية الاستكشافات نجد أن عددها يتراجع مع مرور الوقت في كثير من مناطق العالم، وأنه لم يطرأ زيادة في حجم الإنتاج مقارنة مع حجم التوظيفات الرأسمالية والإمكانات التشغيلية المخصصة لتلبية النمو بالطلب، وأن نسبة الاستنفاد في الآبار سريعة.
إن دورة إنتاج البئر النموذجية من الغاز تبدأ بشكل منحن حتى يصل إلى القمة، ثم ينحدر بشكل أكثر حدة في زاويته من انحدار النفط وفق نظرية منحنى الجرس، ومعنى ذلك أن الغاز الطبيعي لن يحل مكان النفط عند استنفاده، ولن يكون بديلاً استراتيجيًا له ولذلك أي استثمارات إنشائية ورأسمالية لتوسيع البنى التحتية في الغاز الطبيعي عن النفط باعتباره بديلاً هو هدر في الأموال والوقت.

*الفحم
يعتبر الفحم أحد أكثر أنواع الوقود الأحفوري وفرة، والمتهم الأول في التلوث البيئي بسبب أعمال التنجيم التي تدمر البيئة ومخلفات الانبعاثات الغازية من الأحماض المطرية وثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرقه، أي إنه متهم من مرحلة إنتاجه إلى استخدامه، كما أن تدني مستوى كفاءته كمصدر للطاقة يجعله الخيار الأسوأ وعلى الرغم من ذلك يزداد الطلب على الفحم في أكبر سوق مستهلك للطاقة كالولايات المتحدة الأمريكية، الذي ينمو الطلب فيها سنويا بمعدل 2.4 %.
إن حجم الاحتياطيات المتوافرة والمعروفة للفحم وهي بمعدل النمو للاستهلاك الحالي ستتجاوز عمر احتياطات النفط والغاز بأكثر من ضعف المدة، مما يجعل الفحم البديل للوقود الأحفوري لما بعد النفط.

*الطاقة النووية
يبلغ عدد المفاعلات النووية في العالم 442 مفاعلاً، وتساهم الطاقة النووية بنسبة 12 % بين مصادر الطاقة الأخرى في توليد الطاقة الكهربائية، كما أن مولدات الطاقة النووية تمثل ما مقداره 5 % من مجمل مصادر الطاقة ومعظم المفاعلات في الغرب ودول الاتحاد السوفيتي السابق وحدها الولايات المتحدة فيها 103 محطات لتوليد الطاقة بالمفاعلات النووية. وتتجه كثير من الدول في آسيا إقامة مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة لتوليد الكهرباء.
على الرغم من أن الطاقة النووية تتميز بوفرة الوقود النووي والكثافة العالية في توليد الطاقة واقتصادية التشغيل ولا تتسبب في أية انبعاثات غازية، إلا أنها محدودة في حجم الاستكشافات، وتتطلب تكنولوجيا وأبحاثا وأنظمة حماية باهظة التكاليف، كما إنها تتسبب في تلوثات ذرية من سلسلة عمليات الانشطار وترك نفايات ذرية خطيرة، والأهم استحالة تخزين هذه الطاقة ونقلها. وهذا ما يفسر تواضع نمو إنتاج الطاقة الكهربائية وهو ما يجعل صعوبة استخدام الطاقة النووية بديلاً ناجحًا عن النفط.

ثانيا: مصادر الطاقة المتجددة
مر تاريخ البحث عن مصادر جديدة للطاقة بفترات من الازدهار وفترات أخرى من الركود، ورغم تحقيق بعض التقدم في هذا الاتجاه، إلا أن الطريق لايزال طويلاً أمام هذا المجال لتحقيق الأغراض والطموحات المنشودة منها، ومن قراءة في إحصاءات الاستهلاك العالمي للطاقة توضح أن النفط الخام يغطي حاليا نحو أكثر من 36% من الاحتياجات العالمية، بينما يساهم الغاز الطبيعي بنحو 24 %، والفحم الحجري 25 % والمصادر الأخرى المتجددة بنسبة 15 %.
تهدف بعض الدول بجعل مساهمة أنواع الطاقة في حجم الاستهلاك العالمي أن تصل إلى 30 % بحلول العام 2030. ويرى البعض أن هذه الأهداف عسيرة التحقيق، وقد توصف بالأحلام عند ذكر نسبة 50 % مع حلول عام 2050م.
إن دعم الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة لا يتحقق بشكل فعال من دون توفير الأموال الاستثمارية على نطاق واسع، بينما ينفق في الوقت الحاضر ما يتراوح بين 300 و420 مليار يورو سنويا في الاستثمارات المالية في قطاعات الطاقة غير المتجددة، من الفحم والنفط الخام والغاز الطبيعي، كما يدعم بعض هذه القطاعات مثل الفحم زهاء 200 إلى 250 مليار يورو سنويا، ليحافظ العمل فيها على مردود اقتصادي يسمح ببقائها، ولا تجد مصادر الطاقة البديلة من الاستثمارات أو الدعم، ما يسمح بأية مقارنة.
وعلى نحو مماثل أنفق البنك الدولي 26.5 مليار دولار في العقد الماضي على مشاريع الوقود الاحفوري في الدول النامية مقابل نحو 1.5 مليار دولار لمشروعات كفاية الطاقة والطاقة المتجددة.
إن كلفة الاستثمار في مجال إنتاج الطاقة المتجددة (وجميعها تنتج على شكل كهرباء) تختلف من تكنولوجيا إلى أخرى، وهي أقل مما هي عليه في حالة طاقة الرياح (نحو 1000$ لكل كيلووات) وأعلى ما يمكن في حالة الخلية الضوئية، حيث تصل حالياً إلى أكثر من نحو 5000$ لكل كيلووات. إن هذه كلف مرتفعة جداً عند مقارنتها مع الكلف الاقتصادية للاستثمار في أساليب توليد الكهرباء بالطرق التقليدية وهي التوربينات الغازية ذات الدورة المفردة (نحو350 $ لكل كيلووات) أو الدورة المزدوجة ذات الكفاءة العالية (وهي نحو 550$ لكل كيلووات) كما أن تكاليف محطات الفحم التقليدية لا تتجاوز حالياً نحو 1200$ لكل كيلووات بعد إضافة جميع المعدات والاحتياجات البيئية.
بطبيعة الحال فإن كلف التشغيل في حالة الطاقة المتجددة هي زهيدة للغاية لعدم وجود تكلفة للوقود، إلا أنه وحتى بعد إدخال هذه الاعتبارات في الكلف للإنتاج فإن الطاقة المتجددة لاتزال مكلفة عند مقارنة كلفتها لإنتاج الكهرباء مع مصادر الطاقة غير المتجددة.
إن لكل من هذه المصادر ميزات وعيوبا، وإن اشتركت جميعا في كونها لاتزال في مرحلة التطوير، أما عن المصاعب المقترنة بها فهي ارتفاع تكلفة إنتاجها وصعوبة تخزين بعضها أو تحويله لطاقة كهربائية وضرورة توافر تضاريس أو ظروف مناخية محددة لإنتاجها.
وفي المقابل فإن من أهم ميزات البترول والوقود الحفري عموما هو أنه صالح لجميع الأماكن وجميع التطبيقات خلافا للمصادر المتجددة الأخرى، ومن عيوبه تلويثه للبيئة وعدم تجدده، وهذا وحده مدعاة للبحث عن البدائل والاستثمار في إنتاجها وتطويرها. وفيما يلي أنواع الطاقة المتجددة:

الطاقة الشمسية
كل الطاقة الموجودة على الأرض مصدرها وأصلها من الشمس، حيث يشع من الشمس كل ثانية 100 مليار قنبلة هيدروجينية، تتوزع على الفضاء، ولنا أن نتخيل مقدار ما ينتج وما يسقط على الأرض ببعدها البالغ 93 مليون ميل عن الشمس، وعلى الرغم من بعد هذه المسافة إلا أن كمية الطاقة الشمسية المتدفقة على الأرض تساوي أكثر من 10000 مرة الكمية التي تولدها كل مصادر الطاقة مجتمعة من الوقود الأحفوري والطاقة النووية والكهرومائية، حيث نصيب الأرض هو 1.372 واط من الطاقة الشمسية لكل متر مربع. وهنا تأتي فائدة الغلاف الجوي بما فيه من طبقة الأوزون والغيوم بعكس كمية منها ومرور القدر المناسب للحياة في تخفيفها.
استخدم القدماء ضوء الشمس لإشعال النيران بتركيزه من خلال الزجاج، الذي هو ذات المبدأ لإنتاج الكهرباء بتسخين السوائل وهي موجودة في شرائح خلايا تخزينية معرضة للشمس، لتوليد الحرارة بدرجة مرتفعة تكفي لتشغيل مولد كهربائى.
في عام 1839 تم اكتشاف عملية تأثير الكهرباء الضوئية لتوليد الكهرباء عند تعريض جسم من مواد معينة لأشعة الشمس يفصل بين مادتين مختلفتين كي يتم خلق جهد وتيار كهربائى. ثم تم بعد ذلك في الخمسينيات من القرن الماضي صنع الخلايا الشمسية من السيلكون واستمر تطوير تقنية الكهرباء الضوئية حتى وصلت كفاءتها 30 %.
تظل مشكلة التخزين وانخفاض قدرة الطاقة وارتفاع تكلفة الخلايا عائقا عن التوسع في الاعتماد على الطاقة المتولدة من الكهرباء الضوئية للاستخدامات المنزلية، فإذا تم التغلب على هذه الإشكاليات فإن تقنية الكهرباء الضوئية ستكون من أفضل مصادر الطاقة لوفرتها وسهولة الحصول عليها.

طاقة الرياح (الطاقة الهوائية)
توليد الكهرباء من طاقة الرياح هو تطبيق جديد لفكرة قديمة، فاستخدام طاقة الرياح بدأ مع بدايات التاريخ، حيث استخدمها الفراعنة في تسيير المراكب في نهر النيل، كما استخدمها الصينيون عن طريق طواحين الهواء لضخ المياه الجوفية.
تعتبر طاقة الرياح الأسرع نموًا في العالم من بين مصادر الطاقة الأخرى، فكلفتها منخفضة، إذ هي قائمة على تقنية بسيطة عبارة عن شفرات دوارة مثبتة على عمود تنقل حركتها إلى مولد يعمل على تحويل الطاقة الحركية للرياح إلى طاقة كهربائية. وتعتمد كمية الطاقة المنتجة من توربين الرياح على سرعة الرياح وقطر الشفرات.
خلال العقدين الماضيين تطورت صناعة التوربينات الهوائية مع نمو السوق، مما أدى إلى تراجع كلفتها بنسبة 50 %، مما جعلها تنافس المحطات التي تعمل على الفحم في توليد الكهرباء. ومتوقع أن تبلغ حصة مساهمة طاقة الرياح 12 % في مصادر الطاقة عام 2020 فيما لو اتخذت الدول إجراءات جادة في صناعة هذا المصدر، وهذه الطاقة النظيفة في إحلالها عن الوقود الأحفوري كبديل، من شأنها أن تخفف 10700 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
يتوقع أن تصل هذه المساهمة إلى 930 تيراوات ساعة عام 2030 أي نحو 3 % من إنتاج الكهرباء عندئذٍ. وتبلغ الاستثمارات السنوية حالياً في توسيع طاقة الرياح حوالي 7 مليارات دولار سنوياً، ومعظم هذه الاستثمارات ستتم في ألمانيا، حيث تبلغ قدرة المحطات الحالية نحو 17 ألف ميجاوات، وهي تشكل نحو 4 % من قدرة التوليد الكهربائي في ألمانيا.
تملك ألمانيا والدنمارك وإسبانيا معا 59 % من إنتاج طاقة الريح في العالم. وما يشكل قوة دفع رئيسة لهذه النسبة قوانين الأسعار الهادفة إلى تأمين أسواق بأسعار عند أدنى حد ممكن لمنتجي الطاقة المتجددة في البلدان الثلاثة.
يتزايد الاعتماد على طاقة الرياح في توليد الكهرباء عالمياً بمعدل 13 % سنوياً، إلا أنه نظراً لأن حجم هذا التوليد حالياً متواضع ولا يتجاوز نحو 65 تيراوات ساعة عام 2005، فإن مساهمة طاقة الرياح في توليد الكهرباء ستظل محدودة في المستقبل.
إن طاقة الرياح من الطاقات التي يمكن تطبيق استخدامها بسهولة في عالمنا العربي لتقليل نسب التلوث التي بدأت تتزايد، ورغم أن الفكرة بدأ تطبيقها فعلاً في بعض الدول العربية، إلا أن المطلوب نشر التجربة على باقي الدول.

الهيدروجين
يتحد الهيدروجين بسهولة مع الأوكسجين منتجا ماء وطاقة حرارية، ويتم الحصول على الهيدروجين من مصادر الوقود الأحفوري كالغاز الطبيعي والفحم، أو عن طريق فصله عن الماء بعملية التحليل الكهربائى. إن الحصول على الهيدروجين ليس سهلاً وهو مكلف، فالطاقة المبذولة في إنتاج الهيدروجين تستلزم جهدًا أكثر من الطاقة المتولدة منه، ولهذا لا يعتبر الهيدروجين مصدرًا للطاقة، وإنما فأقل لها.
ينتج حاليا 40 مليون طن من الهيدروجين، ومعظمه يصنع من الغاز الطبيعي، ويطلق على برامج صناعة إنتاج الطاقة من الهيدروجين اقتصاد الهيدروجين، وهو يعني بالأبحاث والبرامج التطويرية التي تجري على خلايا الوقود لإنتاج طاقة كهربائية من تفاعلات كيميائية من دون احتراق الأوكسجين.
هناك خلط بين طاقة الهيدروجين وخلية الوقود من ناحية والطاقة المتجددة من ناحية أخرى، وهذا الخلط يؤدي إلى اعتقاد سائد بأن الهيدروجين وخلية الوقود أحد أشكال الطاقة المتجددة، وهو أمر غير صحيح.
إن البنى التحتية لتوليد الطاقة الهيدروجينية مختلفة تماما عن البنى التحتية للطاقة التقليدية، فالتحول إليها يتطلب تغيرًا كاملاً بالبنى وتكاليف باهظة ووقتًا طويلاً، التي تستند عليها شركات السيارات والنفط في الضغط على السياسيين بمنع الاستثمار في خلايا الوقود.
المد والجزر والأمواج
كل البحار تتعرض لحالتي مد وجزر يوميا، وكل حركة يمكن تحويلها إلى أحد أشكال الطاقة، حيث إن ظاهرة المد والجزر تحمل طاقة كبيرة نتيجة الفرق في منسوب المد والجزر، فإنه يمكن أن ينتجا كميات كبيرة من الكهرباء من خلال توربينات تدور حركتها بالتوافق مع حركة المد والجزر توضع في سدود مائية.
هناك ما يقارب الاثنتي عشرة محطة في العالم، قابلة لإنتاج الطاقة في العالم، لأن صناعة هذه المحطات تحتاج إلى وجود ظاهرة ضخمة للمد والجزر. وعلى الرغم من أن قوة المد والجزر هذه تقدر عالميا بثلاثة بلايين كيلو وات، إلا أنه لا يمكن تسخير كل هذه القوة الهائلة.
يجرى في دول مثل اليابان وبريطانيا وبعض الدول الاسكندنافية والهند أبحاثا للحصول على الطاقة من الأمواج للمساهمة في تأمين الاحتياجات المستقبلية من الكهرباء في المستقبل.

*الكهرباء المائية
تتولد الطاقة المائية (الكهرومائية) من السدود وانسياب الأنهار من خلال عمل توربينات هيدروكهربائية تحول طاقة حركة الأنهار والجداول إلى طاقة كهربائية. ونظريا تبلغ إمكانيات إنتاج الطاقة المائية عالميًا نحو 14000 تيراواط ساعة من الكهرباء سنويًا وهو ما يقارب إنتاج الطاقة الكهربائية في العالم حاليًا.
إن الطاقة الكهرومائية مصدر رئيسي لإنتاج الطاقة على المستوى العالمي، حيث يصل إنتاجها إلى نحو 3000 تيرا واط ساعة، وبالتالي فهي تشكل نحو 18 % من إنتاج الكهرباء في العالم وهو أكثر قليلا من إنتاج الطاقة النووية، ويعتبر هذا الإنتاج (حرارياً) مساويا لنحو 250 م.ط.م.ن من الوقود سنوياً، إلا أنه يوفر نحو 640-680 م.ط.م.ن.
معظم التطورات والإنشاءات لإقامة السدود تمت في القرن الماضى، وتتطلب إقامة السدود المائية لتوليد الطاقة المائية، توظيف استثمارات ضخمة وتنفيذ مشاريع كبيرة جدا، ما يحمل الدول ديونا وقروضا كبيرة قد ترهق برامج التنمية.

الكتلة الحيوية
تشمل الكتلة الإحيائية على مصادر الطاقة المتولدة من الخشب وروث الحيوانات وأعشاب البحار والبقايا الزراعية والنفايات وما شاكل ذلك كله.
إن الطاقة المتجددة التقليدية القائمة على الكتلة الحية لاتزال مصدرًا وحيدًا للطاقة لأكثر من 2 مليار نسمة، يعيش معظمهم في جنوب آسيا وفي أواسط إفريقيا. وتصل كمياتها المستعملة إلى أكثر من 1110 ملايين طن مكافئ نفط (م.ط.م.ن) سنويا، وهو ما يمثل نحو 10 % من المصادر الأولية للطاقة العالمية، التي تقدر بنحو 11500 م.ط.م.ن.
يستهلك في الهند وحدها نحو 200 طن من روث الحيوانات كوقود للطبخ، وبالإضافة إلى ذلك فإنها تستعمل أيضا كما هو في دول أخرى للتدفئة والإنارة وبقدر محدود جدا كوقود للآلات والمركبات بعد خلطها مع أنواع من منتجات الوقود الأحفوري وكفاءتها في العزم التشغيلي للسرعة أقل من الديزل الأحفورى، وتختلف معدلات الطاقة الإحيائية من نوع إلى آخر، وإحراق موادها يؤدي بالتأكيد إلى التسبب في تلوث الهواء. ومع ذلك يبقى الديزل الإحيائي أحد الخيارات المتاحة في المساهمة للتعويض عن نقص الوقود الأحفوري وحتى الآن يوجد فقط 31 محطة لإنتاج وتزويد وقود الديزل الإحيائى.
ومن الوقود الإحيائي يأتي الإيثانول المستخرج من الذرة، الذي يتميز بقلة تلويثه للبيئة، فكمية الغازات المسببة للاحتباس الحراري المنبعثة من الإيثانول أقل بنسبة 20% من الكمية التي يولدها البنزين، لذلك يعتبره البعض مصدر طاقة نظيفا، ويمزج الإيثانول مع الغازولين من أجل استخدامه كوقود للمركبات، والجالون الواحد من الإيثانول يعطي 77000 وحدة حرارية واحدة، ما يتطلب لإنتاجه 131000 وحدة حرارية بريطانية، أي إن الطاقة المبذولة أكبر من الطاقة المنتجة، ما يجعل كفاءته كمصدر للطاقة غير اقتصادية، فمحصول كل أربعة آلاف متر مربع من الذرة تنتج 328 جالونا من الإيثانول، ومثل هذه الكمية تتطلب 1000 جالون من الوقود الإحفوري لزراعتها وحصادها. ما يجعلها غير مجدية اقتصاديا، إلا أن التركيز الأوروبي على الطاقة المتجددة للوفاء باتفاقيات السوق الأوروبية واتفاقية كيوتو، ساعد على إيجاد استعمالات جديدة للكتلة الحية لغايات إنتاج الطاقة المتجددة.

الحرارة الجوفية
كان الإيطاليون عام 1904 أول من استخدم البخار الجوفي لتوليد الكهرباء في مدينة بالقرب من روما، وأول معمل لتوليد الكهرباء بطاقة الحرارة الجوفية على أساس تجاري، تم تشييده عام 1958 كان في نيوزلندا.
يبلغ إنتاج العالم للكهرباء من مصادر الحرارة الجوفية أقل من 1%، وكل محطات توليد الكهرباء تشيد بالقرب من الينابيع الحارة وفوهات البراكين.

نظرية نضوب النفط
قمة هوبيرت:
في عام 1949 أعلن كنج هيبرت نظريته حول نضوب النفط حيث توقع أن يصل نفظ الولايات المتحده ذروة الإنتاج خلال الفترة بين عامي 1966 – 1972 مستندًا فى تقديراته هذه على عمليات حسابية لبيانات جيولوجية وفيزيوجولوجية والذى مكنه من أن يكون في موقع يعطيه القدرة لإعطاء هذا التقدير هو عمله وتخصصه كجيوفيزيائي ومكانته في علم الجيولوجيا وخبرته في شركات النفظ التي عمل بها وقد صدق فى تقديراته بوصول النفط الامريكي الذروة في الإنتاج عام 1970م.
لقد أثبت أن النفط يسير بمسار منحني شكل الجرس يبدأ من القاعدة ثم ينطلق بزيادة الإنتاج من النفظ السهل حتى يصل إلى مرحلة النفظ الصعب ثم إلى فترة الذروة في الإنتاج حتى يصل إلى القمة في شكل منحنى الجرس و يظل ينتج بأقصى معدلاته لفترة قصيرة جدا تسمى مرحلة الذروة يكون عمرها تقريبا من 10%-15% من عمر فترة الإنتاج، ثم يبدأ في التراجع نزولاً حادًا وتسمى هذه المرحلة بفترة النضوب حتى يتوقف إنتاج النفظ من هذا الحقل.
قدر هيبرت أن ذروة الإنتاج العالمي ستحصل في حلول عام 2000م وذلك وفق المعطيات التي كانت لديه حينها، ثم جاء كولن جي كامبن الجيولوجي الذى يعمل بالتنقيب لصالح الشركات النفطية الأمريكية العالمية في كثير من دول العالم ليؤكد ما قاله هيبرت كما عبر عنها بالتفصيل في كتابه أزمة النفط القادمة. كما أكد كل من جاء يبحث في موضوع انتهاء عصر النفط خلص إلى أن الكميات التي تم استخراجها حتى هذه السنة قد تساوي الكميات المتبقية. بمعنى آخر أن الذروة بالإنتاج عالميا قد تبدأ بأية لحظة من الآن حتى عام 2020 وهذا الرأى لدى أكثر المتفائلين. بمعنى آخر نحن نجلس الآن على هضبة ذروة إنتاج النفط ويعتقد أن السنة الحرجة لذروة هيبرت ستكون في نطاق عام 2010.
حاليا يتم استخراج حوالي 80% من النفط من حقول تم اكتشافها قبل عام 1973 ومعظمها قد بدأت بالتراجع في كمية إنتاجها وقد تم اكتشاف كميات جديدة تقدر بما يقارب 7 مليارات برميل نفط في التسعينيات وفي المقابل تم استهلاك ثلاثة أضعاف هذه الكمية فى عام 2004 أي مايعادل 21 مليار برميل، وبمعنى آخر إنه كلما تم استهلاك أربعة براميل من النفط يتم تعويضها باكتشاف برميل نفط واحد.
لقد دخل منذ السبعينيات كثير من آبار العالم مرحلة استخراج النفط الصعب، ومع مرور الوقت تتزايد صعوبة استخراج النفط أكثر فأكثر وبحق نستطيع أن نقول إن عصر النفط الرخيص قد انتهى وبدأنا بمرحلة عصر الاستخراج الصعب للنفط فقد كانت النسبة في بداية إنتاج النفط بين الطاقة المبذولة والطاقة المتحصلة هو 28 الى 1 وانخفضت كما يراه كثيرًا من الجيولوجيين لتصل 2 الى 1 بحلول التسعينيات وقدروا أنه بعد عام 2005 ستصبح الطاقة المبذولة أكثر من حجم الطاقة المتحصلة في استخراج النفط من الولايات المتحدة الامريكية.
بحسب تقديرات ريتشارد دونكن من معهد الطاقة والانسان توصل من خلالها إلى نتائج من دراسة أجراها ونشرها فى كتاب بعنوان التكهن فى مستقبل النفط حول 44 دولة منتجة للنفط محددا فيه عام الوصول إلى الذروة بالإنتاج فجاء بالنسبة الى الولايات المتحدة الامريكية في عام 1970 وتليها فنزويلا وليبيا ثم إيران ورومانيا عام 1976م وأندونيسيا وترينيدات عام 1977 ثم البيرو وبروناي 1979 ثم تونس 1981 ثم الكاميرون 1985 ويليها الاتحاد السوفيتي 1987 ثم في التسعينيات تأتى مصر في 1993 تليها سوريا 1995 والارجنتين والاكوادور 1997 ومن بعد عام 2000 تأتى بريطانيا 2001 ثم أنجولا 2002 ثم ماليزيا و غينيا والبرازيل عام 2003 تليهما كولوميا والنرويج و الدنمارك و قطر والكونكو والهند وتايلاند وفيتنام ودول المحيط الهادي والدنمارك عام 2004 وفي عام 2005 المكسيك وعمان واليمن وأستراليا ثم في عام 2006 كندا وأمريكا الجنوبية والوسطى وبعض دول أوروبا وأفريقيا والجزائر، وبالتالي تصبح ذروه إنتاج العالم في 2006 ثم تأتي ايطاليا ونيجيريا والصين في عام 2007 وتأتي العراق ودولة الإمارات المتحدة وبعض دول الشرق الأوسط في 2009 ثم الكويت 2010 وأخيرًا المملكة العربية السعودية في عام 2017 ذلك بحسب تقديرات ريتشارد دونكن من كتابه التكهن بالنفط العالمي.
ليس من المهم الجدل فى مدى دقة هذه التوقعات بالحرف الواحد، وإنما تكمن الأهمية فى التعامل بمسئولية مع حقيقة نضوب النفط وإننا على شفا الهاوية وأمامنا فرصة واحدة فسيأتي يوم وينتهي إنتاج النفط ، ولعل أداء أسعار النفط التي بدأت تشهد بعد عام 2000 تعكس نوعا ما من هذه الحقيقة فتصبح الأهمية في البحث عن البدائل و تطوير التقنية لاستخراج النفط واطالة عمر المكامن والاقتصاد في استخدام النفط والتشغيل الأمثل في توظيفاته الصناعية والاستثمارية وتعظيم عوائد إيراداته. وعلينا أن نأخذ بالطريقة المثلى للحد من نقص الطاقة وذلك بأن نقلل من استهلاكها بتقنينها من خلال رفع كفاءة الاستخدام في كل المجالات من الإنارة ووسائل النقل والتدفئة والصناعة وتوليد الكهرباء وغيرها.
كفاءة استخدام الطاقة
لقد نجح كثير من المؤسسات والشركات الصناعية في توفير الطاقة من خلال زيادة كفاءتها، فلقد نجحت على سبيل المثال شركه فليبس بزيادة كفاءة الطاقة بمقدار1.3% وقللت مخلفاتها بمقدار 56% كما هو بالنسبة لمعامل توليد الكهرباء الامريكية برفع الكفاءة عما كانت عليه في عام 1958 بنسبة 75 % في عام 1998 كما هو أيضا بالنسبة لوسائل النقل بتحسين التصاميم الهندسية لتقليل نسبة الاحتكاك والاستهلاك، لقد تم رفع كفاءة استخدام الوقود بتحسين الإنتاج وتخفيض نسبة الاحتراق الضائع أو المفقود والمتسرب وغير ذلك من مثل هذه الاتجاهات. كما هو بالنسبة للتدفئة والتبريد من خلال رفع كفاءة العوازل والتشغيل والتوزيع الأمثل وكل ما من شأنه من تطبيقات فى اقتصاديات الطاقة بالتوظيفات والتحسينات التكنولوجية ونشر القيم والثقافة الترشيدية للتخفيف والحد من استهلاك النفط.
الإمام الغزالى والنفط.
كما سبق والإشارة إليه حينما تم اكتشاف النفط فى القرن الثامن الميلادى فى بغداد عاصمة الدولة العباسية كانت أوجه استخداماته مقتصرة فقط على الإضاءة وترصيف الطرقات والطلاء والتى ظلت هكذا فى القرون التسعة التى تلت اكتشافه، وعلى الرغم من تواضع الكل فى إدراك أهميته طوال تلك الفترة كأهم مصدر للطاقة، إلا أن صاحب إحياء علوم الدين كان مستوعبًا لدوره فى كل مفردات نسق الحياة والاقتصاد فقد تحدث عنه منذئذ قبل أكثر من ألف عام وكأنه بيننا اليوم فى كتابة أسرار الحكمة ببصيرة نافذة مستشهدا بقول الله تعالى "أفرأيتم النار التى تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح باسم ربك العظيم". حيث استدل الإمام أبو حامد الغزالى من هذه الآية كما جاء فى كتابه أن الله خلق النار وهى من أعظم النعم على عباده وجعل حكمها بأيديهم إن شاءوا خزنوها وإن شاءوا أبرزوها فهى مخزونة فى الأجسام وميسرة فى الطبيعة ومنافعها كثيرة لاتحصى، فمنها طاقة وسبب للصناعة لكل مايستلزمه الإنسان من تمكين للحصول والوصول بها لاحتياجاته المعيشة من إنارة ودفء وحركة وتصنيع وزينة فلولاها لم يكن شئ من الانتفاع إليه سبيلا، ولما علم لله سبحانه وتعالى أن كثرتها وبثها فى العالم مفسدة جعلها الله بحكمته محصورة بمصادر متعددة حتى إذا احتاج إليها وجدت فى كل أمر يحتاج إليها ، فلولا لطف الله سبحانه بخلق النار لم يحصل شئ من المنافع ولولاها لما كان يتهيأ للخلق من تحريك وخلط وتصنيع للحديد ، وإلا كانت هذه المعادن من جملة الأتربة. ما أحوجنا لمثل هذه البصيرة كى نرتقى بفكرها لفهم الواقع ومقتضياته ولا نختزل جهودنا ومسئوليتنا بممارسة لعبة ركوب موجة الشعارات.

الحلم الخليجي
ذكر جولدمان ساكس في تقريره أن الطلب العالمي القوي على الطاقة، خصوصا من الهند والصين والدول الصناعية السبع والولايات المتحدة الأمريكية، وإحدى عشرة دولة نامية سيؤمن دخلاً مجزيًا للدول الخليجية خلال الـ25 سنة المقبلة، وقد يتجاوز دخل دول المنطقة داخل الدول الصناعية الكبرى سنة 2050 إذا تم الاستمرار في زيادة الاستثمار وتطوير البنية التحتية.
حيث استفادت دول الخليج كثيرًا من ارتفاع عائدات النفط والغاز كنتيجة لارتفاع أسعاره فتحسنت اقتصادياتها ومراكزها الاقتصادية على مدى الأعوام الأربعة الماضية، في حين زاد إجمالي الأصول الأجنبية التي تمتلكها، وارتفع الحساب الجاري، وتحققت فوائض كبيرة في الميزانية.
ستتمتع دول الخليج بإجمالي دخلها المحلي الذي سيصل إلى 800 مليار دولار، في عام 2007 ومتوقع أن ينمو إلى 912 مليار دولار في 2008 الذي سيكون متجاوزا حجم اقتصاديات بعض الدول الكبرى مثل المكسيك واستراليا وهولندا، كما أن متوسط دخل الفرد في المنطقة يعتبر مرتفعا بشكل كبير، حيث سيسجل 21.3 ألف دولار في 2007، ومرجح أن يبلغ 23.5 في 2008 وسيحتل المرتبة الـ27 عالميا بعد نيوزلندا، التي يصل متوسط دخل الفرد فيها إلى 24.5 ألف دولار، وسيبلغ معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي 5.2 % عام 2007، ويقدر أن يحقق نموا يصل معه 7.8 % في 2008.
ليس من المستبعد أن يتحول الخليج إلى أكثر المناطق ازدهارًا في العالم خلال العقود المقبلة، وذلك بالقليل من الجهد ووضع مزيد من الضوابط والإصلاحات لتحسين البيئة للتوظيفات الاستثمارية وتسهيل جميع عوامل نمو الإنتاج وعناصر النجاح. فالمعطيات الاقتصادية تشير إلى أن النمو الاقتصادي سيتعزز في السنوات المقبلة مع ترسخ الثقة بالآفاق المستقبلية لهذه الاقتصاديات على أساس التنامي الملحوظ في حجم الإنفاق الاستثماري بشقيه الحكومي والخاص وتواصل برامج الإصلاحات الاقتصادية الشاملة.

حجم المشاريع
تشير التقديرات إلى أن تكلفة المشاريع المراد تنفيذها بدول الخليج في عام 2015 تتجاوز 1.2 ترليون دولار منها نحو 300 مليار دولار في قطاع النفط والغاز، التي في معظمها ستتم من خلال مشاركة فاعلة من القطاع الخاص. وستتنامي العوائد على حجم الاستثمارات الخليجية في الخارج، والمقدرة بنحو 1500 مليار دولار.
أشارت وكالة الطاقة العالمية أن 38 % من الإنتاج العالمي بين عامي 2008 وعام 2030 سيأتي من الدول الخليجية، التي سيبلغ خلالها معدل نموها بنسبة 72 %، ومتوقع أن ينمو إنتاج الغاز الخليجي بقوة في الفترة بأكثر من 200% خلال الفترة نفسها، ما سيجعله يمثل 46 %من الزيادة المتوقعة في الغاز المعروض عالميًا. ذلك يمثل تحديًا أمام المنطقة، حيث يجب أن تطور منشآتها لتلبي الزيادة المستمرة في الطلب، وتستفيد من أسعار النفط المرتفعة في زيادة أرباحها من هذه الصناعة، واحتياطي المنطقة غير مستغل، لكن بعض الحقول الكبرى في المنطقة بدأت في التقدم في العمر؛ حيث بلغ معدل النقص في إنتاج بعض الآبار 12 %. كما قدرت وكالة الطاقة العالمية أن الدول الخليجية تحتاج إلى ما يقارب من 650 مليار دولار (وفقا لأسعار عام 2006) من أجل زيادة الإنتاج بنسبة 2.2 % في النفط الخام وبنسبة 5.6 % في الغاز الطبيعي خلال الـ25 سنة المقبلة.
إن التحدي الأكبر الذي سيواجه دول الخليج يتمثل في كيفية استقراء المستقبل لمعرفة عما سيكون عليه الوضع بما يحمله من تحديات واتخاذ ما يلزم من الاستعدادات والبرامج التنموية وتنفيذها بفعالية فإن لم تقم دول الخليج باستثمارات مجدية لأرباحها النفطية، وإن لم تطور منشآتها النفطية، وتقوم بالتعديل من وضع بعض مؤسساتها المشرفة على الصناعة النفطية، فإن الحلم الخليجي سيبقى حلمًا في خيال من السراب وسينطبق المثل القائل فى الصيف ضيعت اللبن.

الصيف ضيعت اللبن
مثل يضرب به العرب لمن يضيع على نفسه فرصا ثمينة، وحتى نعرف معناه من المفيد سرد قصة هذا المثل الذي تدور حول امرأة تزوجت ابن عم لها ذا مال وجاه، لكنه يكبرها بسنوات في حين هي صغيرة فتية، لم تكن تستسيغه لفارق العمر، فطلبت الطلاق وألحت حتى تفرقا في الصيف وتزوجت بغيره شابا لم يكن على ما لابن عمها من نعمة، وبعد سنوات وبينما كانت جالسة ظمآنة وهي ترى أمامها أضرع غنيمات تدلي من ثقل حمل لبنها تعود إلى ابن عمها طلبت من خادمتها أن تستأذن منه لتأتي إليها من لبنها بعضه فردها وهو يقول: الصيف ضيعت اللبن، أي إنها ضيعت عليها من الخير والنعمة عندما وقع طلاقها صيفا.
سيبلغ مجموع ما ستحققته دول الخليج في الفترة من 2005-2010 من صادرات النفط فوائض مالية تراكمية، تصل إلى أكثر من خمسة تريليون دولار نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وأمام الحكومات عدة خيارات، إما إنفاقها محليا بالتوسع في المشاريع التشغيلية والإنفاق العام الاستهلاكى، أو على مشاريع تنموية مستدامة وادخار جزء منها لتأمين الاقتصاد من مخاطر انخفاض أسعار النفط أو إلى حين تصميم مشاريع استثمارية ذات احتياجات تمويلية ضخمة.
يفترض على الجهود الحكومية الخليجية أن تكثف العمل في تحقيق الاستفادة القصوى من طفرة العائدات النفطية، من خلال تركيز التشريعات على أولويات الإنفاق الاستثماري التي تحقق نتائج التنمية الحقيقية في مشاريع الرعاية الصحية والتعليم والبنى التحتية، وتعزز النمو الاقتصادي والاستقرار المالي في تنمية الإيرادات المالية والمدخرات، وتفعّل التعاون مع القطاع الخاص في صيغ استثمارية تساهم في تنويع القاعدة الاقتصادية وزيادة الدخل، وترشد استغلال الموارد من خلال المحافظة على الأصول الرأسمالية، وتخفض معدل البطالة وتمول البرامج الرامية إلى زيادة فرص العمل، وتدعم تطوير منظومة البحث العلمي والتنموي، وتقوي روابطهما في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وتستقدم وتوطن التقنية العالية لتوفير بيئة عمل صحية، معززة للإنتاجية تحفز الاستثمار، وتجذب رأس المال الأجنبى، وتدعم دور القطاع الخاص بعد تأهيله بالضوابط المعيارية والمنافسة العادلة وتشجيعه بالرقابة السابقة والمتزامنة واللاحقة.
إن عوائد الفورة النفطية الراهنة فرصة لا تعوض في تأمين التوظيفات المالية المطلوبة لتنفيذ الأولويات المذكورة أعلاه، حتى يتم تطوير الكفاءة في نظام التعليم وبناء قدرات البحث العلمي، والاستثمار في رأس المال البشري وإعادة تأهيل الكوادر البشرية، وتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي والتطوير المؤسسي والإداري بتحديث القوانين والتنظيم الإداري وتسهيل الإجراءات والمعاملات لنشر ثقافة وبيئة عمل تغير قيم المجتمع من النزعة الاستهلاكية إلى النزعة التنموية وتضع إجراءات الإصلاح وتنويع الإيرادات العامة محل التنفيذ، سواء في تعديل الرسوم على الخدمات أو تطوير النظام الضريبي وتخصيص المرافق ورفع الدعم عن أسعار الخدمات العامة والسلع التموينية «واقتصاره فقط على الشرائح الاجتماعية من محدودي الدخل»، حيث إن تلك الإجراءات تلقى معارضة أقل لو طبقت خلال فترات النمو في الدورة الاقتصادية كتلك الجارية حاليا.
قبل أن نختم موضوعنا هذا دعونا نتأمل ماذا سيكون عليه حالنا عند نضوب النفط فى المستقبل!
مشاهد مستقبلية
فى إحدى الدول الأعضاء من منظمة اوبك أخيرا تم نشر الإعلان المهم الذى ينتظره الكل بشغف وبأحر من الجمر فى معظم الصحف والمجلات ومحطات التليفزيون، ليعلم الجميع عن وصول باخرة نقل المواشي الى الميناء، ولكنها لا تحمل أغنام هذه المرة كما جرت هي العادة من قبل ،بل تحمل شحنة من الحمير والبغال تقدر بعشرين ألف حمار وخمسة آلاف أخرى من البغال، تابعة لشركة تجارة واستيراد الحمير، وفي الإعلان تذكير على اصحاب البضاعة إنه بالإمكان استلام شحناتهم فورًا من الرصيف، بشرط إحضار كل مستنداتهم الثبوتية من جنسية وبطاقة هوية ورخصة استيراد وتصدير ووصولات فواتير السداد وإثباتات الملكية !!! .
يومها عم الناس الفرح والابتهاج فقد طال انتظار وصول هذه الشحنة من البغال والحمير !! فالكل ينتظر هذه اللحظة بفارغ من الصبر لتنفيس الاحتقانات ووضع حد للتشهر فقد توترت الأوضاع ووقعت عمليات إرهاب واتهامات للحكومة بالتقصير والإهمال.!!
إن السؤال اليوم الذى يطرح نفسه هل إن مثل موضوع هذا الاعلان قد يحصل وينشر فعلا؟! وهل سنشهد مثله بعد 30 عاما من الآن بشكل إعتيادي ومتكرر!؟ ولماذا يكون الآن مثل ذلك العجب في استيراد الحمير إلى دول أوبك؟ بالطبع ليس المقصود من استيرادهم كى نتعلم منهم الجلد والصبر، أو لإجراء مسابقة الفروسية بالحمير أو لمسابقة ملك الجمال كما تجري اليوم على الماعز في الزرايب والجواخير، وليس بالتأكيد التفاخر بهما أو لاجراء أبحاث علمية عليهما.لا هذا ولا ذلك .
عموما دعونا لنرجع مرة أخرى إلى مشهد وصول الباخرة إلى الميناء، فبعد أن تم إرساؤها بعشرة مرشدين واستقبلها وجهاء البلد وتجارها وكبار رجال الأمن والمتنفذين، تم تفريغ شحنة الحمير واستلم كل مالك حماره،، حينها بدأت السيارات الفاخرة والفارهة بالتحرك بعد توقف طويل! وهي تحمل في صندوقها الخلفي رزمًا من التبن والبرسيم، ودبت الشوارع بحركتها وأخذت تتفاوت سرعاتها من سيارة الى أخرى بحسب قوة الجر، فكلما زادت السرعة دلت على ان الحمار الذي يجرها من سلالة جيدة، وأن شركة استيراد وتصدير الحمير تجيد عملها وتتمتع بمصادر موثوقة فى تعاملتها، لذلك أسهمها فى سوق الأوراق المالية تحقق مستويات قياسية. وتهامس الناس نعم هكذا هو النموذج في إدارة الشركات وتنمية الاقتصاد والحفاظ على حقوق المساهمين واستثماراتهم، هكذا يجب أن تكون عليه الشركات فى كفاءة إدارتها نشطة وفعالة.
أهكذا نريد أن يكون حالنا فى أوبك التي كانت طوال عصر النفط أكبر منتج له وتجلس على معظم احتياطياته فى العالم نجد غالبية دول أوبك عاجزين في المستقبل القريب عن إنتاج وتكرير برميل واحد من النفط حتى توفر البنزين لتزويد السيارات ومحطات الكهرباء والماء بالطاقة، إن النهج القائم الذى تعمل به بعض الدول المنتجة للنفط ، حتما سينتهى بهما المطاف إلى أن تصبح السيارات تجر بالحمير للتنقل بها، والكهرباء حلم صعب المنال فهو سيصبح ذكريات وقصصًا خيالية كالبساط السحري والمارد في القنديل.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - فعاليات الملتقى صالون الفاخرية صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 12:32 PM
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - ورقة د . محمد المرسى صالون الفاخرية صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 12:21 PM
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - ورقة د. حسين عبدالله صالون الفاخرية صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 12:18 PM
الملتقى الثالث لصالون الفاخرية - ورقة د. مجدي صبحي صالون الفاخرية صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 12:16 PM
الملتقى الاول لصالون الفاخرية - الجزء الثالث فني الموقع صالـــون الفاخريــــــة 0 16-11-2008 10:52 AM

الساعة الآن 09:37 PM.
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011

designed by : csit.com.sa