إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 27-05-2006, 08:54 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
التجارب الآسيوية في الإصلاح السياسي

شهدت القارة الآسيوية خلال العقدين الأخيرين مجموعة من الإصلاحات السياسية بحيث باتت دولها تموج بتحولات بنيوية واسعة النطاق وزخرت ساحاتها السياسية بفيض من التغيرات التى عكست في مجملها مظاهر تحول كوني شمل العديد من المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وفي ظل تنامى فعالية المجتمع المدني مع المستجدات الدولية المعاصرة تعالت الأصوات المنادية بالإصلاح السياسي والتحول الديمقراطى في كثير من الدول الآسيوية، وانبرت الأقلام دفاعاً عن هذا الإصلاح الذي ارتأى فيه الغرب الشكل النهائي والأمثل للتنظيم البشري. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه إذا كانت المستجدات المعاصرة في مجمل تداعياتها قد باتت تشغل حيزاً متنامياً من شواغل المحللين السياسيين إلا أن بعدها السياسي المتمثل في الإصلاحات السياسية أو ما يدرج على تسميته بالتحول الديمقراطى قد اجتذب أنظار العديد من الدارسين في ظل تنامى مجموعة من التطورات السياسية التي شهدتها غالبية دول العالم الثالث متمثلة في تراجع التوجهات السلطوية لصالح تحولات ديمقراطية فى إطار ما يعرف "بالثورة الديمقراطية الشاملة" "The Global Revolution" 1.

وبطبيعة الحال لم تكن القارة الآسيوية بمنأى عن هذه المستجدات على الساحة الدولية، وإن تخوفت كثير من دولها من آثارها المحتملة على مجموعة مفردات منظومتها القيمية التقليدية التي طالما مثلت أساساً راسخاً لنظم الحكم هناك.

وبوجه عام، يمكن القول إن استجلاء قضية الإصلاح السياسى في القارة الآسيوية يعكس طرحاً لنمط خاص في الإصلاح السياسى يختلف بشكل جوهري عن المفهوم الغربي للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي وذلك فى ضوء وجود منظومة قيمية آسيوية تفرض نمطا خاصا فى العلاقة بين الحاكم والمحكوم يختلف بشكل جوهري عن النمط السائد في الدول الغربية وذلك في إطار اختلاف التجربتين تاريخيا في التعامل مع الحاكم. ففي المجتمعات الغربية شهد تاريخ تلك المجتمعات صراعات عدة بين الدولة والمجتمع في سبيل حصول الأفراد على حرياتهم، ومن ثم تم اللجوء ومن أجل الحفاظ على ما تم الحصول عليه من حريات في مواجهة الدولة من خلال إنشاء مجموعة من المؤسسات بدلا من الحكام. وهو ما يختلف بشكل جذرى فى الوضع في آسيا، ففي المجتمعات الآسيوية التقليدية كان هناك اعتقاد بأن الحاكم أسمى عقليا وذهنيا وأخلاقيا من العامة. ففي الصين القديمة كان الحكام يخضعون لاختبارات مدنية تركز على مدى معرفتهم بالكتابات الكونفوشيوسية التقليدية. ومن ثم كان ينظر إلى ما يحصل عليه الأفراد من حقوق سياسية على إنه منحة من الحاكم وليس حق للمواطنين.

* ونحاول من خلال هذه الورقة البحثية التطرق إلى قضية الإصلاح السياسى في آسيا وذلك وفقا لأقسام عدة هي:

أولا: المستجدات العالمية والإصلاحات السياسية.
ثانيا: الإصلاح السياسي والواقع الآسيوي.
ثالثا: بواعث وأسباب الإصلاح السياسي في آسيا.
رابعا: موجبات الإصلاح السياسى وموقع دور الدولة.
خامسا: رؤية حول إستراتيجيات الإصلاح السياسى فى آسيا.
سادسا: صعوبات وعوائق الإصلاح السياسى في آسيا.
سابعا: تباينات الإصلاح السياسي في آسيا ومحاولة إيجاد صيغ توفيقية.
وأخيرا: مستقبل الإصلاح السياسي في القارة الآسيوية
.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-05-2006, 08:57 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
﴿1﴾ المستجدات العالمية والإصلاحات السياسية

يستلزم التعرف على طبيعة الإصلاحات السياسية التي تشهدها كثير من دول العالم الثالث ومن بينها دول القارة الآسيوية إلقاء الضوء في البداية على طبيعة المستجدات المعاصرة العالمية التي فرضت بدورها هذه الإصلاحات. هنا وتجدر الإشارة إلى بروز تداعيات عصر العولمة التي باتت تشكل حالياً موقع الصدارة بين مختلف المدركات العالمية سواء على المستوى الاقتصادى أو السياسى.

ويمثل الإصلاح السياسى أو التحولات الديمقراطية البعد السياسي للتحولات العالمية المعاصرة. وهو ما يستند إلى حد بعيد على ما يعرف بمفهوم "التوسع" الذي يعكس حرص الدول الغربية على ضم العديد من دول العالم الثالث إلى الأسرة الديمقراطية من خلال حثها على تبنى المنظومة الليبرالية. فالفكر الرأسمالى يستند إلى عناصر القوى المعرفية والاقتصادية لنشر هذه المنظومة القيمية الغربية مستغلاً لنقاط التشابك بين كل من العولمة كأداة والنظام العالمي كهدف فى محاولة لتأكيد أن كل من النظام العالمي والعولمة كيان واحد لا ينفصل يسهم فى تدعيمه وترسيخه تحقيق هذا التقارب وفقاً للمنظومة الليبرالية التي تعد أحد ركائز البعد السياسي للعولمة.

وبالنظر إلى طبيعة الإصلاحات السياسية التى تشهدها القارة الآسيوية سوف نلحظ مشاركة دول المنطقة لنفس هموم وشجون دول العالم الثالث في هذا الصدد حيث يتزايد تخوفها من تداعيات المستجدات العالمية المعاصرة، وما يرتبط به من المساس بكل من سيادتها الوطنية وهويتها الثقافية فى ظل محاولة فرض فكر كوني.

فمع تنامى التفاعل بين مختلف الدول الآسيوية والعالم الخارجي إضافة إلى ازدياد درجة تنوع السلع والخدمات التي يجرى تبادلها مع تنوع مجالات الاستثمار التي تتجه إليها رؤوس الأموال فى المنطقة شهدت الدول الآسيوية العديد من محاولات الاختراق على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية التي امتدت لتشمل كل من الجوانب الثقافية والاجتماعية .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-05-2006, 09:00 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
﴿2﴾ الإصلاح السياسي والواقع الآسيوي

تشهد بعض الدول الآسيوية في الوقت الحالي مجموعة من الإصلاحات السياسية والتي لا ترقى بالتأكيد إلى مفهوم التحول الديمقرطي وفقا للمفهوم الغربي، فالتغيرات التي تشهدها كثير من الدول الآسيوية لا تعدو كونها محاولات هزيلة نحو مزيد من الليبرالية التي تشير في مجملها إلى التخفيف من حدة بعض القيود وتوسيع نطاق الحدود الفردية والجماعية في إطار نظام يتسم بالسلطوية، حيث عادة ما تتم هذه الإجراءات من خلال قرارات فوقية مع استمرارية عمليات القمع السياسى. فما حدث فى ماليزيا حالياً على سبيل المثال يصعب أن يندرج تحت بند التحولات الديمقراطية حيث لم تشهد هذه الدولة تغيرات جوهرية في هيكل العلاقات على المستوى المجتمعى الشامل2، وهو ما يعني أن الإجراءات التي يتخذها النظام الماليزى هي أقرب لتطور ليبرالي لم يتبلور في صورة إصلاحات سياسية أو تحولات ديمقراطية واسعة النطاق. فمن الجدير بالإشارة أن هذا الواقع لا يعني ضرورة إرسائه المستقبلى للتحول الديمقراطي على النهج الغربي وإن كان يصعب إغفال إمكانية إسهامه في حفز عملية الإصلاح السياسي.

ولعل ما يذكر أن بعض الأنظمة السلطوية في القارة الآسيوية ارتأت في السماح بحيز من الليبرالية والإصلاحات السياسية ترسيخاً لشرعية النظام وذلك دون أن يصاحب هذا الوضع تبدلاً في هيكل السلطة، إلا أنها كانت سرعان ما تواجه بتنامي المطالب الشعبية بمزيد من الإصلاحات السياسية.

ويعد النموذج الإندونيسى نموذجا واضحا في هذا الصدد، فقد شهدت الأخيرة مجموعة من الإصلاحات بدأت بمحاولات سوهارتو إسباغ السمة المدنية على نظام الحكم الذي تقوم فيه المؤسسة العسكرية بدور محوري إضافة إلى تحجيم الوجود العسكرى في كافة مؤسسات الدولة.

كما تم إجراء انتخابات نيابية عامي 1992 و1997 إلى جانب الانتخابات الرئاسية عام 1993 حتى تمت الإطاحة بسوهارتو بعد ثلاثة عقود من الحكم، وذلك تحت ضغط المطالبات الشعبية بمزيد من الإصلاحات السياسية وخاصة بعد الأزمة المالية مما اضطر بسوهارتو إلى الاستقالة. وبالمثل شهدت كوريا الجنوبية مجموعة من الإصلاحات التي ارتبطت بتسلم المدنيين السلطة عام 1993، وفي باكستان تعددت الإجراءات نحو مزيد من الإصلاح السياسى منذ عام 1985 مع تخلي الجيش عن السلطة عام 1988 ووصول أول حكومة برلمانية منتخبة على أساس حزبى3. ولم تتخلف عن هذه المسيرة سوى بعض الدول الآسيوية، كالصين التي اتسمت الإجراءات الليبرالية فيها بالتواضع حيث اقتصرت على الجانب الاقتصادي دون السياسي - على نحو ما سيتضح لنا- عند التعرض للتباينات بين مختلف التجارب الآسيوية بشأن الإصلاحات السياسية.

ويعني هذا الواقع في مجمله أن ما تشهده هذه الدول يعد بمثابة إصلاحات سياسية أو بمعنى آخر تطوراً ديمقراطياً وليس تحولاً بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة حيث يفترض هذا التحول تجاوز الحدود الضيقة لكل من الحقوق الفردية والجماعية، كما يهدف إلى تحقيق إصلاحات سياسية تعكس قدراً أكثر اتساعاً من محاسبية النخبة Elite Accountability إضافة إلى صياغة آلية لعملية صنع القرار في إطار مؤسسى ديمقراطي4، وهو الأمر الذي مازالت تفتقده معظم الدول الآسيوية. إذ تتضمن عليمة التحول الديمقراطي مجموعة من المراحل تبدأ بزوال النظم السلطوية تتبعها مرحلة انتقالية تسعى النظم من خلالها إلى محاولة إرساء ديمقراطيات حديثة وصولا إلى مرحلة الرسوخ الديمقراطي5.

وبوجه عام، ترجع صعوبات التحول الديمقراطي إلى العديد من الأسباب والتي من أهمها ما تتطلبه هذه المرحلة من إعادة توزيع للقوة بحيث يتضاءل نصيب الدولة منها لحساب المجتمع المدنى بالقدر الذى يضمن نوعاً من التوازن بين كل من الدولة والمجتمع في ظل تراجع لسلطة الدولة، وهو ما يستوجب بلورة وتنمية مراكز عديدة للقوى إلى جانب تقبل الجدل والمناقشات واحترام الرأي الآخر. فإذا ما علمنا غياب كثير من مقومات التعددية فى القارة الآسيوية في ظل افتقار كثير من دول المنطقة للأحزاب السياسية لتبين لنا صعوبة الحديث عن إصلاح سياسي وفقا للمنظومة الغربية أو تحول ديمقراطي على النحو الذي يطرحه الغرب، ناهيك عن استمرارية سيطرة السلطة المركزية فى هذه البلدان، فبرغم الإلتزام الشكلى لبعض القيادات بالقدر اليسير من الإصلاحات السياسية كتأكيد للحريات المدنية وتوسيع لنطاق المشاركة على نحو ما شهدته كوريا الجنوبية وماليزيا وغيرها إلا أن الإطار السلطوي مازال سائداً فى كثير من دول القارة.

فهناك العديد من الدراسات الأكاديمية التي أكدت على أن كثير من الإصلاحات السياسية التي شهدتها الدول الآسيوية قد فشلت بمجرد ظهورها6. وهو ما يعنى ضرورة عدم النظر إلى عملية الإصلاح السياسي في دول العالم الثالث بصفة عامة وفي القارة الآسيوية بصفة خاصة كخط صاعد وذلك لتعرضها لكثير من الانتكاسات. ومن هذا المنطلق يمكن القول أن معظم الدول الآسيوية التي شهدت مجموعة من الإصلاحات السياسية تواجه مخاطر العودة إلى النظم السلطوية.

وبوجه عام، يلاحظ التنوع الكبير بين مختلف تجارب الإصلاح السياسي في آسيا وبوجه خاص فى المراحل الأولى من عملية الإصلاح السياسى وهو ما سوف نتطرق له بمزيد من التفاصيل خاصة وأنه في إطار هذه الفترة تتم صياغة أساليب قواعد متباينة لحل الصراعات عادة ما تنتهي بوضع دستور ديمقراطى وعقد انتخابات حرة وتوسيع نطاق المشاركة على نحو ما شهدته كل من كوريا الجنوبية وماليزيا وتايوان.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27-05-2006, 09:05 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
1. الأسباب الداخلية

لعبت الأسباب الداخلية للإصلاح السياسى في آسيا دورا فاعلا في حفز الإصلاح السياسي بحيث شغلت موقع الصدارة بين مختلف العوامل حيث لعبت دوراً فاعلاً في هذا الصدد. وقد لوحظ تعدد وتباين هذه العوامل في القارة الآسيوية بحيث أضحى من الصعوبة بمكان إمكانية الاستناد إلى عامل واحد لتفسير التغيرات التي تشهدها المنطقة. وعلى هذا النحو ارتأت أدبيات الإصلاح السياسي تداخل كل من العوامل السياسية المؤسسية والاقتصادية إضافة إلى عنصر الثقافة السياسية والسلوك السياسى9.

وبوجه عام، فقد أبرزت تلك الأدبيات تباين دور وثقل هذه المتغيرات في تحقيق الإصلاح السياسى بين مختلف الدول حيث يمكن الجزم باختلاف هذا الهدف في آسيا مع تباين نوعيات هذا الإصلاح طبقاً لنمط التفاعل بين هذه المتغيرات10، فلقد ولج الغرب مرحلة الديمقراطية التعددية في ظل مرحلة من النمو الاقتصادي واستقرار للمؤسسات القائمة وشرعية سياسية تستند إلى اقتراع عام، أما القارة الآسيوية فقد شهدت كثير من دولها واقعاً مغايراً للإصلاح السياسي، ففي حين عد النمو الاقتصادى في بعضها بمثابة حافز لهذا التغير بعد أن تسبب التدهور الاقتصادى في انهيار كثير من النظم السلطوية قاد النمو الاقتصادى في عدد آخر إلى تقوية النخب المعادية للإصلاح السياسى.

وبرغم هذا التنوع إلا أنه يمكن القول أن أهم أسباب الإصلاح السياسي في آسيا قد تمثلت في فشل التجارب السلطوية تحت الضغوط الشعبية بما تسبب فى أزمة شرعية حادة. وعلى هذا النحو شهدت ماليزيا نمو طبقة وسطى تنامت مطالبها السياسية في ظل نجاح عملية التحديث السياسى وحرص النظام على استيعاب هذه المدخلات في ظل حرصه على تجنب الصراع خاصة مع التعدد العرقي في البلاد. وبالمثل نجحت التجربة الديمقراطية في كل من الهند واليابان استناداً إلى هذه العوامل الداخلية، وفي الفليبين مثلت نفس هذه العوامل أحد محفزات عملية الإصلاح السياسي حيث أدى تصاعد المعارضة ومساندة الجيش إلى إقصاء نظام ماركوس السلطوي وإن أدت المشاكل الاقتصادية في هذه الدولة إلى تعثر خطى هذا الإصلاح11 ومع تعدد العوامل الداخلية الحافزة للإصلاح السياسي فى آسيا، إلا أنه يمكن الإشارة إلى عوامل أساسية ثلاث وهي انهيار شرعية النظام، وتنامى سلطة المجتمع المدني، والأزمة المالية.

أ. تراجع شرعية النظام :

يعد تراجع شرعية الأنظمة السياسية من بين أهم الأسباب الداخلية للإصلاح السياسي في آسيا. ومن المعروف أن القارة الآسيوية تزخر بالعديد من النظم العسكرية، التي تتراجع فيها التوجهات المدنية إلى أدنى مستوى، مثل إندونيسيا وباكستان وذلك برغم لجوء هذه الدول مؤخراً وتحت الضغوط الخارجية إلى إضفاء بعض السمات المدنية على نظمها.

ولعل مما يذكر أن تراجع شرعية كثير من النظم الآسيوية يعود في معظم الأحيان إلى عجز هذه الأخيرة عن إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية ورفضها السماح بقدر أكبر من الحريات والمشاركة الشعبية. وقد تبدى هذا الواقع بشكل جلي إبان الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعرضت لها دول شرقي آسيا عام 1997، والتي كانت قد توصلت إلى مستوى مرتفع من النمو الاقتصادى على نحو ما شهدته كل من ماليزيا وإندونيسيا ثم سرعان ما وجهت بانتكاسة زلزلت كيان أنظمتها السياسية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن متغيرات العولمة كان لها أثر كبير في زعزعة شرعية هذه النظم حيث جاء الفقدان التدريجي لشرعية هذه الأخيرة نتيجة التغير في بعض القيم المجتمعية على النحو الذى شهده كثير من المجتمعات الآسيوية مع زيادة نسبة التحضر واختراق الثقافة الغربية لبعض العناصر الشعبية التي تنتمى إلى الطبقة الوسطى.

وهناك حقيقة هامة يجب التأكيد عليها وهي أن السمات الخاصة للطابع الآسيوي تضفي على قضية الشرعية فى القارة بدورها طابعاً خاصاً حيث أن أزمة الشرعية فى كثير من الدول الآسيوية قد لا تؤدى بالضرورة إلى إصلاحات سياسية أو حتي إلى إقصاء القيادات السلطوية التى قد تستمر في مواقعها وإن كان يمكن لهذه الأزمات أن تنذر بالعديد من التحديات المؤسسية التي يكون على النظام ضرورة مواجهتها من خلال إجراءات تتسم بقدر من الليبرالية وذلك لتهدئة الأوضاع من خلال الانصياع لبعض المطالب الشعبية.

وتتمثل تلك السمات بوجه خاص في طبيعة القيم الآسيوية والثقافة التقليدية للدول الآسيوية، فوفقا لمنظومة القيم الآسيوية ينظر للقائد السياسى بقدر كبير من التبجيل والتوقير فالاعتقاد وفقا للفكر التقليدي الآسيوي هو أن الحاكم أسمى ذهنيا من العامة ومن ثم يجب طاعته طاعة عمياء وإن ما يحصل عليه الأفراد من حقوق من الحاكم هى منحة من الحاكم وليست حق للمواطنين.

وبوجه عام، يلاحظ في كثير من الأنظمة الآسيوية توحد شرعية كل من الحاكم والنظام، وهو ما يعني أن فشل أحدهما يستوجب بالضرورة سقوط الآخر، ولعل من هذا المنطلق كان التشكيك فى نظام سوهارتو بعد الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها إندونيسيا، وذلك بعد تربعه على سدة الحكم لفترة طويلة. وبالمثل تعرض محاضير محمد للتشكيك في شرعية نظامه بعد هذه الأزمة التي حرص على استيعابها من منطلق تفسيره الخاص للعولمة الذي يرفض الديمقراطية على النهج الغربي مع تقديم بلاده لنموذج يعكس الثقافة الآسيوية. ويعنى هذا الواقع فى مجمله أهمية الأداء الاقتصادى للنظام لترسيخ شرعيته، إلا أن الواقع فى آسيا يؤكد على أهمية عامل آخر وهو دور العدالة التوزيعية لتدعيم الشرعية السياسية للنظام حيث واجهت كثير من النظم الآسيوية أزمات شرعية عاتية برغم تحقيقها لمستويات نمو مرتفعة تجاوز بعضها 10% مثل إندونيسيا وماليزيا، وذلك لقصورها عن استيعاب المطالب الشعبية بتحقيق توزيع عادل للمنافع الاقتصادية12.

ب. بروز دور فاعل للمجتمع المدنى:

في واقع الأمر، تكتنف محاولة التعرف على دور المجتمع المدني لحفز الإصلاح السياسى في القارة الآسيوية مجموعة من الصعوبات، على كل من الصعيدين الفكرى والتطبيقى، خاصة في ظل الاختلاف العام حول تكييف طبيعة مفهوم المجتمع المدني، فعادة ما يرتبط بهذا الأخير وجود مؤسسات فاعلة كمقابل للدولة، هذا فى حين استخدمه البعض الآخر كمقابل للدين وإعلان مبادئ العلمنة الكاملة كأحد مدخلات المجتمع المدني، بل إن هناك من رأى فى صفة المدنى كمقابل للعسكرى، وهو ما حدا بكثير من الأدبيات المعاصرة إلى دراسة العلاقات المدنية العسكرية في كثير من الدول الآسيوية التي اتسمت بالصبغة العسكرية مثل كوريا الجنوبية وباكستان13.

ولعل مما يزيد من صعوبة التعرف على دور المجتمع المدني في آسيا على حفز علمية الإصلاح السياسي هو ذلك الشق الخاص بارتباط كثير من استخدامات هذا المفهوم هناك بالعديد من الانحيازات القيمية والأيديولوجية. بيد أنه برغم هذه الصعوبات إلا أنه يصعب إغفال تنامي دور المجتمع المدنى في آسيا. حيث ينسب إليه الإسهام في إقصاء عدد من النظم التسلطية والضغط من أجل مزيد من الإصلاح السياسى، ويكفى فى هذا المجال الإشارة إلى رفض تنظيمات المجتمع المدني في كثير من الدول الآسيوية لبعض الممارسات السلطوية من قبل قياداتها على نحو ما شهدته إندونيسيا إبان الإطاحة بسوهارتو14، وحتى بعد تولي عبدالرحمن عبدالواحد للسلطة فقد واجه العديد من الضغوط من قبل مؤسسات هذا المجتمع ، كما شهدت كل من كوريا الجنوبية وتايوان تعبئة شعبية للمجتمع المدنى في مواجهة أنظمة تسلطية15.

وفي المقابل أسهمت تنظيمات المجتمع المدنى في كثير من الدول الآسيوية في تدعيم الشرعية السياسية لعدد من الأنظمة بما ضمن مناخاً مواتياً هيأ سبل استقرار الحكومات وساند سياسات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تنتهجها هذه الحكومات في ظل عصر العولمة وما يفرضه من تحولات ديمقراطية.

وقد برز دور المجتمع المدنى في آسيا بوجه خاص فترة ما بعد الأزمة المالية ففي تايلاند، لعبت منظمات المجتمع المدني دورا في صياغة دستور عام 1997، كما شهدت الفترة التالية للأزمة المالية صدور مجموعة من التشريعات التى أكدت على تفعيل دور منظمات المجتمع المدنى في البلاد، كما ضغطت الأخيرة فترة ما بعد الأزمة المالية على الحكومة لجمع قروض أجنبية لتخفيف حدة الفقر وإصلاح شبكات الآمان الاجتماعى16. كما تشير الإحصاءات إلى إن تايلاند شهدت خلال عام 1999، 786 احتجاجا ومظاهرة من قبل الفلاحين والعمال، كما إنه خلال الشهور الأربع الأولى من عام 2000 كان هناك 622 احتجاجا.

وقد نشبت غالبية تلك الاحتجاجات في ضوء الخلافات بين الفلاحين والسلطات حول استخدام الأراضي، واستغلال الموارد الطبيعية. إذ ركزت تلك الاحتجاجات على المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتعويض الفلاحين عن خسائر أراضيهم بسبب مشاريع الحكومة خاصة السدود. كما كانت هناك مطالب للمشاركة في عملية صنع القرار لحماية البيئة والموارد الطبيعية17.

ولا يقتصر بروز دور المجتمع المدنى في آسيا على النطاق الداخلى فحسب بل أخذ يبرز دورا للمجتمع المدنى في آسيا على النطاق الإقليمي، ففي إطار القمة الآسيوية- الأوروبية تم الاتفاق على إنشاء منتدى للأفراد وهو عبارة عن تجمع للمنظمات غير الحكومية الأوروبية والآسيوية، وقد تم الاتفاق على أن يُعقد هذا المنتدى جولة للحوار كل عامين. وقد تم عقد خمس جولات للحوار حتى الآن. عقدت الأولى منها فى بانكوك عام 1996، أما الثانية فقد عقدت في لندن فى عام 1998، وعقدت الجولة الثالثة في سيول عام 2000، أما الجولة الرابعة فقد عقدت فى كوبنهاجن في عام 2002. وعقدت آخر جولات الحوار في هانوى وذلك خلال الفترة من 6-9 سبتمبر عام 2004 .18

ويمثل هذا المنتدى الإقليمي للمنظمات غير الحكومية الآسيوية- الأوروبية أحد الآليات الهامة فيما يتعلق بدور دبلوماسية المسار الثاني وذلك تميزا لها عن دبلوماسية المسار الأول. وتتمثل دبلوماسية المسار الأول في أنشطة المسار الرسمي- الحكومي، أما أنشطة أو دبلوماسية المسار الثانى فتتمثل فى أنشطة الباحثين والخبراء والتى تهدف إلى مساعدة صناع القرار عند صياغة سياستهم الأمنية من خلال تقديم المشورة.19

ويبرز دور المنتدى كأحد أدوات دبلوماسية المسار الثاني عند النظر إلى ما صدر من توصيات عن المؤتمر الأخير والذى جاء تحت عنوان "تحركات الأفراد في آسيا وأوروبا لتحقيق الأمن الإنساني" والذي ناقش أكثر من محور تعلق الأول منها بالسلم والأمن، بينما تمثل الأول في طرح المنتدى لبعض التوصيات إلى صناع القرار في الدول الآسيوية والأوروبية والمتعلقة بالأمن الإنساني وسبل التخفيف من مصادر تهديده، أما المحور الثنى فبرز في دور المنظمات غير الحكومية ذاتها داخل البلدان الآسيوية والأوروبية في تحقيق أهداف المنتدى. 20

وفى هذا الصدد تبرز أهمية الإشارة إلى هذا المنتدى فى التأكيد على إن منظمات المجتمع المدنى فى الدول الآسيوية لم يصبح دورها قاصرا على المستوى الداخلى فحسب، بل أصبحت تتحرك فى إطار إقليمى أوسع مما أضفى على دورها أهمية وترسيخ.

ج- الأزمة المالية والإصلاح السياسى فى آسيا :

عدت الأزمة المالية التى شهدتها عدة دول في شرقى آسيا أحد عوامل حفز الإصلاح السياسى فى عديد من الدول الآسيوية التى تأثرت من جراء الأزمة. إذ تبدى أثر الأزمة المالية في هذا الصدد من أكثر من ناحية. تمثل أولها فيما وجهته تلك الأزمة من تحديا لمنظومة القيم الآسيوية، إذ أرجعت دول شرقى آسيا ما حققته من نجاح اقتصادى إلى منظومة القيم الآسيوية وأحد أهم دعائمها أولوية التنمية الاقتصادية على حقوق افنسان والحريات الفردية. إذ أنصب تركيز تلك الدول على تحقيق التنمية الاقتصادية أولا مع توقعات بوجود قدر من الحرية السياسية سوف يظهر فيما بعد ولكن بعد تحقيق المستوى المنشود من التنمية الاقتصادية. والافتراض الأساسي في هذا الصدد هو أن التنمية الاقتصادية أكثر أهمية من الحقوق السياسية والحريات المدنية انطلاقا من أن التركيز على تلك الأخيرة سوف يعوق التنمية الاقتصادية. إذ ينظر إلى الحريات الفردية على إنها نوعا من الرفاهية وليست احتياجات أساسية للمواطنين.

وبوجه عام، فإن الفكر الآسيوي في هذا الصدد يقوم على أن التنمية كعملية اقتصادية واجتماعية قد تتطلب في المدى القصير بعض الانتهاك للحقوق السياسية والمدنية للأفراد. فعلى سبيل المثال تشكيل اتحادات تجارية لحماية حقوق العمال هو أمر ليس على قدر كبير من الأهمية في تحقيق أهداف التنمية خاصة أن تشكيل تلك الاتحادات التجارية قد يساهم فى بعض الأحيان في خلق مشاكل وعدم استقرار سياسي، وهو الأمر الذى من شأنه توجيه بعض الضرر للأهداف التنموية للدولة يضاف لذلك إن اختيار الأفراد بين الوظائف لن يكون على قدر كبير من الأهمية بقدر توجيه الدولة للعمالة تجاه مشروعات تنموية محددة. إذ ينظر للحكومات السلطوية كمطلب أساسى لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وذلك في ظل ما تتطلبه عملية بناء الدولة من نظام وطاعة للإجراءات التي ربما قد تكون غير مقبولة شعبيا على المدى القصير لكنها سوف تحقق منافع للمواطنين في المستقبل.21

وربما كان هذا الأمر مقبولا فترة ما قبل الأزمة المالية وفي ظل ما حققته تلك الدول من تقدم اقتصادي، حيث كان هناك قبول بالحكم السلطوي في هذا الحالة فى مقابل معدل أعلى من النمو الاقتصادي إلا إنه بعد الأزمة المالية وما وجهته من نقد متزايد للقيم الآسيوية والتي تقوم على أولوية التنمية الاقتصادية على الإصلاح السياسي والحريات السياسية، فقد أصاب حكام تلك المنطقة أزمة شرعية ومن ثم كان عيها السماح بمزيد من الحريات السياسية والقيام ببعض الإصلاحات السياسية.

ولا يقتصر أثر الأزمة على هذا البعد الداخلي فحسب، بل تبدى أثر الأزمة في بعد أخر تمثل في أن الأوضاع السياسية فى غالبية الآسيوية كانت موضع نقد من قبل العديد من الدول الغربية خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين، إلا إنه مع النجاح الاقتصادى لتلك الدول، فلم يكن لتلك الانتقادات دور جذري في تلك المجتمعات، إلا إنه مع الأزمة المالية فقد كانت دول شرقي آسيا بحاجة إلى إقناع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي باستحقاقها للمساعدات المالية بسبب سياستها الديمقراطية ومن ثم بدأت تلك الدول تتحرك نحو مزيد من الإصلاح السياسي لضمان الحصول على المساعدات الدولية.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27-05-2006, 09:14 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
2. الأسباب الخارجية

على الرغم من أهمية العوامل الداخلية كما سلفت الإشارة في حفز عملية الإصلاح السياسي في القارة الآسيوية إلا أنه يصعب إغفال أهمية المؤثرات الخارجية في هذا الشأن وإن كانت في بعض الأحيان ذات الأثر الأكبر في الدفع نحو مزيد من الإصلاحات السياسية في بعض من الدول الآسيوية ذاتها أكثر من العوامل الداخلية، وعلى هذا النحو فحري بالمتابعة المعمقة لهذه العوامل رصد تطور المساعدات والمعونات من قبل بعض التنظيمات الدولية لإضعاف بعض النظم السلطوية في آسيا، حيث يلاحظ ارتباط المعونات الغربية بمدى التزام هذه الأنظمة بالتعددية السياسية والليبرالية الاقتصادية بما يمكن أن يتيح حيزاً أوسع من تعددية مراكز القوى على كل من الصعيدين السياسي والاقتصادي ويسمح بوجود ثقل مضاد لسلطة الدولة22.

وفي إطار هذا السياق قامت كل من الحكومات الأجنبية والتنظيمات الدولية بدعم توجهات الإصلاح السياسى من خلال المساعدات الاقتصادية على نحو ما شهدته كل من كوريا الجنوبية وباكستان وغيرها، كما حرص هؤلاء الفاعلون الدوليون على دعم استقلالية المجتمع المدني في الدول الآسيوية وذلك بهدف حفز المسار الإصلاحي. وعلى نفس الصعيد أسهم صندوق النقد الدولي فى تمويل بعض المجالات التى من شأنها دفع الإصلاح السياسي، وذلك كأحد أهداف السياسات الخارجية للدول الغربية. وهنا لا يخفى على الأعين دور هذه المؤسسة في محاولة صياغة حلول لمواجهة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعرضت لها بعض الدول الآسيوية.

هذا وقد يلجأ هؤلاء الفاعلون الدوليون إلى القيام بمجموعة من الإجراءات الاقتصادية كفرض للعقوبات أو تخفيف لأعباء الديون وذلك كوسيلة لممارسة الضغوط على الحكومات السلطوية فى آسيا لحفزها نحو مزيد من الإصلاحات السياسية.23

وفى هذا السياق تجدر الإشارة إلى الدور الذى لعبته العوامل الخارجية في التأثير على بعض التجارب التنموية الآسيوية وخاصة في دول مثل كوريا وإندونيسيا وتايلاند. وخاصة آبان الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي شهدتها هذه الدول عام 1997 والتى كان لها أعمق الأثر على شرعية الأنظمة السياسية.

ولعل مما يذكر أن تنامى دور الفاعلين الدوليين قد قاد إلى تزايد تأثير العوامل الخارجية والدولية على طبيعة السياسات الداخلية لكثير من الدول الآسيوية خاصة فى ظل تأثر هذه الأخيرة بقوى سياسية واقتصادية خارجية. ولذلك فقد نتج عن هذا الوضع تخوف كثير من الدول الآسيوية من تنامي دور عدد من الفاعلين الدوليين مع ما يعنيه ذلك من تهديد لسيادة هذه الدول خاصة مع انهيار التوازن بين كل من الدولة والسوق الذى باتت قوى خارج نطاق الدول تحدد ملامحه إضافة إلى ظهور تنظيمات لا تدين بالولاء للدولة ذاتها وهو ما يقودنا بالضرورة إلى استجلاء هذا الواقع بقدر من التفصيل.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27-05-2006, 09:24 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
﴿4﴾ موجبات الإصلاح السياسى وموقع دور الدولة

في إطار ما تفرضه مستجدات الواقع المعاصر من تنامى الدور الذى يقوم به الفاعلون الدوليون، كما سلفت الإشارة، تبدت لدى الدول الآسيوية بشكل جلى مجموعة المخاطر التي يمكن أن تحدق بها من جراء إمكانية تراجع السيادة الوطنية لدولها. ولعل الأزمة الاقتصادية التى تعرضت لها مجموعة من الدول الآسيوية في أواخر التسعينيات من القرن العشرين كانت أصدق دليل على ذلك، هذا كما يصعب إغفال الدور الذى لعبته قوى خارجية بشأن مشكلة تيمور الشرقية في إندونيسيا ، حيث طلب من القيادة الإندونيسية احترام ما عرفته القوى الدولية "بالخيار الديمقراطي"، وذلك عبر ضغوط غربية خاصة بعد إعلان رغبة سكان هذا الإقليم في الاستقلال بعد حوالى ربع قرن من الحكم الإندونيسى المباشر. فإذا ما تبينا أهمية الموقع الذي يشغله مبدأ وحدة التراب الإندونيسى في الأيديولوجية الرسمية للدولة لأدركنا مدى تخوف بقية الدول الآسيوية من تكرار هذا الواقع الذى قد يهدد الوحدة الإقليمية لكثير من دول المنطقة خاصة تلك التي تشهد بعض الصراعات العرقية. فهذا الأمر لا يقتصر على إندونيسيا فحسب، بل إن مبدأ عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول يعد أحد المبادئ الأساسية التى تبنتها دول جنوب شرقي آسيا بعد الاستقلال ، فباستثناء تايلاند ، فإن كافة دول جنوب شرقي آسيا خضعت في فترات سابقة للاستعمار، وبعد الاستقلال رأت تلك الدول أن خير وسيلة للتأكد من عدم تدخل شئون الدول الأخرى في شؤونها الداخلية في ظل ما تعانيه من ضعف فى مرحلة بناء الدولة هو تطبيق مبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية خاصة إنه في ذلك الوقت فقد كان هذا المبدأ مطبق فى ميثاق الأمم المتحدة. ويعد مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية أحد المحاور الأساسية لطريقة الآسيان ASEAN Way والتى مثلت في مجموعة من المبادئ طبقت فى إدارة العلاقات بين دول جنوب شرقى آسيا وكذلك فى علاقاتها مع العالم الخارجى. إلا إن تطبيق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وُجه ببعض التحديات فى الآونة الخارجية ومنها بروز مفهوم التدخل الدولي الإنساني، وكذلك الأزمة المالية وما فرضته من ضرورة التخلي ولو تدريجيا عن هذا المبدأ. بيد أن الواقع الآسيوي مع ذلك مازال يؤكد على ضرورة أن تستمر الدولة كلاعب رئيسي بين العديد من اللاعبين، فإن لم تكن لها السيطرة المطلقة إلا أنها بالتأكيد يجب أن تكون صاحبة الكفة الراجحة فى ميزان القوى.

ومن هذا المنطلق يبرز تساؤل ملح حول مستقبل دور الدولة فى هذه المنطقة، وهو الدور الذي طالما شغل موقع الصدارة، فواقع الدولة القومية التي باتت فاعليتها اليوم محل شك في ظل المستجدات المعاصرة اتسمت لفترة سابقة ممتدة بالرسوخ وذلك منذ نشأتها فى الغرب مع بداية الثورة الصناعية، ولعل مما يذكر أن تبلور هذا الواقع كان قد أسهم في حفز عملية توحيد السوق الوطنية وإرساء دعائم إدارة مركزية راسخة ازدهرت من خلالها كل من الليبرالية الاقتصادية والسياسية24.

فهل من الممكن في ظل هذه المتغيرات والمستجدات المعاصرة أن يمكننا القول بإننا في عالم جديد يقضي بضرورة إعادة صياغة الكثير من هذه الحقائق التي طالما اتسمت بالرسوخ والثبات؟ وهل يمكن للدول الآسيوية أن تحافظ على سيادتها في مواجهة الهيمنة الأمريكية ومحاولة اختراق المنظومة القيمية الغربية لمجالها السياسى والاقتصادى والثقافى. هنا يجب الإشارة إلى أن المستجدات المعاصرة قد فرضت بالفعل تغيراً ملحوظاً في شكل المؤسسات وفى تكوين أنساق القيم السائدة بعد أن تبدت معالم وتجليات هذا الواقع في فيض كل من النظام الاقتصادى والثقافي عبر حدود الدولة القومية. وقد عنى هذا الأمر بطبيعة الحال اختصاص الدولة بالنصيب الأكبر من تداعيات هذه التغيرات التي لحقت بها كإطار نظامي مؤسسى، وذلك في ظل التحولات التي تشهدها دول العالم الثالث بصفة عامة والمنطقة الآسيوية التي نحن بصددها بصفة خاصة.

وهنا يجدر التنويه إلى أن دور الدولة في المجتمعات الغربية ظل قائماً على تحقيق ما يعرف بمجتمع الرفاه بحيث أصبحت الدولة العصرية تعرف أيضاً بأنها دولة الخدمات25 نظراً لسعيها الدءوب على إدارة موارد الرفاه لتحقيق مختلف مآربها ومن أهمها نشر الاستقرار والإرتقاء بالمستوى الاقتصادي لمواطنيها. وعلى هذا النحو حرصت كثير من الدول الآسيوية خاصة تلك التى نجحت فى تحقيق مستوى اقتصادى مرتفع على المضى قدماً فى تحقيق هذا الهدف، بيد أن المأزق الحقيقى الذى بات على كثير من الدول الآسيوية أن تواجهه يتمثل فى عجزها الحالى عن القيام بالعديد من وظائفها فى هذا الشأن، خاصة فى ظل تراجع معدل نموها وتضاؤل مستوى أدائها الاقتصادى مع وجود خلل واضح فى العدالة التوزيعية وهو ما يمكن أن يسهم فى إذكاء حدة العنف فى بعض دول المنطقة إضافة إلى تهديدها للاستقرار السياسى ولمجمل عملية التحول الديمقراطى.

وفى إطار هذا السياق، تبينت الدول الآسيوية أن أبرز ما فرضته المستجدات المعاصرة من تحديات فى مواجهة سيادتها الوطنية والتى يمكن أن يكون لها بشكل غير مباشر آثار سياسية واسعة النطاق تلك التى تتعلق باختراق ما يعرف باقتصاد المعرفة للتحصينات التى تقيمها الدولة، فهذه المعرفة مع التقدم الهائل فى وسائل الاتصال فى ظل المجتمعات الإلكترونية أسهمت فى خلق نوع من الولاء والمشاركة يتجاوز الحدود الإقليمية للدولة وهو ما انعكس سلباً على الولاء القومى وشجع فى بعض المناطق على التمرد والتحرر من أى ارتباطات تجاه الدولة وذلك فى إطار توفر نطاق أوسع من الحركة والمشاركة على المستوى العالمى26.

وقد عكس هذا الواقع فى مجمله تحجيماً لقدرة الدولة على التحكم في كثير من مقدراتها، وأضحى لزاماً على مختلف الحكومات الآسيوية أن تتقاسم كل من سلطاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية مع العديد من المنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسية إلى جانب المنظمات غير الحكومية .

على هذا النحو، يتعاظم إدراك الدول الآسيوية لتلك التحولات المعاصرة وآثارها على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الآسيوية وخاصة في ظل ما تواجهه تلك الدول من انتقادات داخلية وخارجية. وفي إطار هذا السياق، أثارت تلك التحولات وآثارها على السيادة الوطنية جدلاً واسع النطاق، تجسد في تعدد الآراء والتوجهات، التي ركز بعضها على بعض جوانبها الإيجابية، حيث قد يعني تجاوز هذه الأخيرة للسيادة الوطنية إمكانية إسهامها في حل بعض المشاكل الإنسانية المشتركة التي يصعب إيجاد حلول لها من منظور السيادة القومية المطلقة، مثل ما يتعلق بانتشار أسلحة الدمار الشامل إضافة إلى ضرورة احتواء التهديدات النووية، ومن ذلك على سبيل المثال إمكانية احتواء الصراع النووي بين كل من الهند وباكستان وإيجاد حلول له27.

على الجانب الاخر، تصاعدت في المقابل صيحات كثير من دول العالم الثالث محذرة من خطورة التنازل عن مبدأ السيادة الوطنية في مواجهة التحديات المعاصرة ومن ذلك على سبيل المثال تقاسم مجموعة من الفاعلين الدوليين لآليات إدارة الأزمات ومحاولة نقلها من سياقها الوطني إلى خارج نطاق الدولة، وهو المجال الذى تنظر إليه الدول الآسيوية على نحو أخص بقدر كبير من التوجس في ظل تعدد الأزمات التى تشهدها. وهو ما يعني في مجمله تزايداً في دور العامل الخارجي في تحديد مصير الأطراف الوطنية، وذلك في ظل عجز هذه الأخيرة عن صياغة استراتيجية فاعلة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية وخصوصيتها الثقافية إضافة إلى تنامي الهيمنة الأمريكية التي تنزع إلى نقل إدارة الأزمات إلى خارج نطاق الدولة القومية.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 27-05-2006, 09:25 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
﴿5﴾ رؤية حول إستراتيجيات الإصلاح السياسى فى آسيا

حفز الواقع الآسيوي في ضوء ما يتسم به خصوصية عدداً من المفكرين على طرح مجموعة من التساؤلات حول أسباب نجاح وفاعلية بعض استراتيجيات الإصلاح السياسى دون غيرها، وذلك في محاولة للتوصل إلى صيغة عالمية لاستراتيجية الإصلاح السياسى والتحول الديمقراطي، وهو ما يعكس في حد ذاته محاولة طموحة في ظل التفاؤل الغربي السائد بإمكانية انتشار الديمقراطية في كافة أرجاء العالم، حتى تلك التي تشهد مناخاً معادياً لهذا التحول على النحو الذى تشهده كثير من الدول الآسيوية، ولعل هذا الاعتقاد هو ما قاد الكثير من أمثال أودونيل Odonnell،28 وشميتر Schmitter،29 وغيرهم إلى توقع نجاح آليات التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي فى كافة دول العالم حتى تلك التي تتسم بخصوصية ثقافية كالدول الآسيوية.

وهنا يجب التأكيد على إنه على الرغم من اهتمام هذه الدراسة بالإصلاح السياسي، إلا أنه من الضرورى التأكيد على أن هذا الإصلاح لا يختص بالجانب السياسي فقط حيث يمتد ليشمل كل من الأوضاع الاقتصادية والثقافية والمجتمعية وهو ما يشير إلى تعدد استراتيجيات الإصلاح التي تختص بكافة هذه الجوانب، على أننا في هذه الورقة البحثية سوف نحرص على استجلاء أهم الاستراتيجيات التي تتعلق بالبعد السياسي المؤسسي التي تحدد أهم ملامح ومعالم الإصلاح في هذا المجال.

كما تجدر الإشارة إلى انه برغم التعدد في الاستراتيجيات إلا أنه كان هناك اتفاق بين مختلف الأدبيات على أن الصيغة المناسبة لبدء الإصلاح تتم عادة عبر اتفاقات ومساومات بين أطراف النخبة السياسية ذاتها على نحو ما شهدته بعض الدول الآسيوية بما يقود إلى صياغة عدد من القواعد الجديدة التى يمكن أن تضمن قدرا من التعايش السياسى بين أهم الفاعلين السياسيين، وذلك بأسلوب تدرجي30. من هذا المنطلق كان حرص عدد من الدول الآسيوية على ضرورة صياغة سيناريو للإصلاح يقوم على التدرج والاعتدال والحلول التوفيقية شريطة عدم المساس بحقوق ملكية الفئات البرجوازية من ناحية والمؤسسة العسكرية من ناحية أخرى مثل تايوان وكوريا الجنوبية.

_ البعد المؤسسي للإصلاح السياسي :

احتل البعد المؤسسي للإصلاح السياسي موقعاً هاماً على خريطة التحولات السياسية نظراً لما للهياكل المؤسسية من أهمية خاصة فى إرساء دعائم هذه التغيرات. ولعل من هذا المنطلق كان هناك حرص على تحديد ملامح الهياكل المؤسسية المواتية لهذه التحولات عبر اقتراب يفترض ضرورة تواؤم كل من الاستراتيجيات المتبعة والمؤسسات القائمة مع الظروف البيئية السائدة، وهو ما يعنى ضرورة تحديد الأوضاع السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تسهم في إمكانية التوصل إلى استراتيجيات أكثر فاعلية. وعلى هذا النحو أبرزت أدبيات الإصلاح السياسي أو التحول الديمقراطي أسلوبين أساسيين لحفز عملية الإصلاح عبر الجهود السياسية31، تمثل أولها في محاولة تغيير الظروف الاجتماعية التي يمكن أن تؤثر سلباً في عملية توزيع مصادر القوة، وهو النهج الذى لم يحظ بأى قدر من النجاح فى العديد من الدول الآسيوية حيث كان من الصعب إعادة تشكيل هذه الأوضاع في ظل القيم والتقاليد الآسيوية السائدة ، التي تسبغ أهمية خاصة على الهيراركية القائمة على كل من الصعيد السياسي والاجتماعي .

أما الأسلوب الثاني فيميل إلى إرساء مؤسسات سياسية ملائمة للظروف الاجتماعية السائدة ، وهو ما انتهجته كثير من الدول الآسيوية ومن بينها ماليزيا التي عكست نموذجاً بارزاً فى هذا الشأن حيث حرصت على أن تعكس تنظيماتها الحزبية التركيبة العرقية القائمة في البلاد والتي تضم كل من المالاي والصينيين والهنود في محاولة لتجنب الصراع بين هذه العناصر32. وعلى هذا النحو فإن الأحزاب في ماليزيا لا تعبر عن أفكار سياسية -على نحو ما تؤكده الخبرة الغربية- بقدر ما تعبر عن الواقع الماليزي المركب.

والأمر ذاته ينطبق على كثير من الدول الآسيوية الأخرى التي حرصت على الحفاظ على منظومتها القيمية مع مواءمة استراتيجيات البعد السياسى المؤسسى مع متطلبات الواقع الاجتماعي والثقافي لهذه الدول. وعلى هذا النحو تخيرت تايوان على سبيل المثال أسلوب التحول الإحلالى في ظل مناخ تفاوضي بين مختلف أطراف النخبة33، ولكن لوحظ أن هذا الإصلاح قد تم في ظل استمرارية هيكل سياسي اتسم إلى حد كبير بالبيروقراطية السلطوية التي تسود كثير من الدول الآسيوية.

وعلى الرغم من الإصلاحات التي شهدتها الفليبين بعد الإطاحة بماركوس إلا أنه تم الإبقاء على عدد من عناصر النظام القديم الذين التزموا الحياد أثناء عملية التغيير34، وذلك في إطار إحترام الفليبين لعدد من الرموز السياسية ذات المكانة وهو ما يعكس في مجمله رسوخ الثقافة السياسية التقليدية في العديد من الدول الآسيوية.

وعلى نفس الصعيد المؤسسي، برزت أهمية استحداث دساتير أكثر ديمقراطية في الدول الآسيوية وذلك لتدعيم مسيرتها فى هذا الشأن وشغلت هذه المهمة حيزاً لا يستهان به في الممارسات الآسيوية. وعلى هذا النحو لجأت كوريا الجنوبية على سبيل المثال إلى تعديل دستورها بحيث كفل المزيد من الحريات مثل حرية الصحافة والتجمع والأحزاب وغيرها، إضافة إلى استصدار تشريعات تضمن نزاهة العملية الانتخابية وتوفر مناخاً أكثر تنافسية، وبالمثل تم في ماليزيا استصدار تشريعات مماثلة تحد من سلطوية النظام، وفي تايوان عدت مسألة تعديل الدستور أحد أهم القضايا التى اختص بها النظام لمواكبة التحول العولمى، حيث وافقت حكومة الكومنتانج في التسعينيات على تعديل للدستور بشكل تدريجى حيث تم هذا التغيير على مرحلتين35. وعلى نفس الصعيد تبنت الفليبين دستوراً جديداً عام 1987 حدد مدة الرئاسة لفترة واحدة لمدة ست سنوات، وذلك فى ظل نظام رئاسي أعلن عن التزامه بالمضي قدماً في تحقيق مزيد من التحولات الديمقراطية36. وفي تايلاند، تلى وضع الدستور الجديد للبلاد في عام 1997، تبنى مجموعة من الإجراءات وصدور مجموعة من التشريعات بغية تنظيم الانتخابات وكذلك عمل الأحزاب السياسية.

وفي إطار استعراضنا لاستراتيجيات الإصلاحات السياسية الخاصة بالبعد السياسي المؤسسي تطرح بعض الأدبيات تصوراً حول الشكل الأمثل للنظام مقارناً بين فاعلية كل من النظام البرلماني والرئاسي في إرساء دعائم هذا الإصلاح، على هذا النحو إرتأت الأدبيات الغربية للإصلاح السياسى أن النظام البرلمانى قادر على توفير مناخ مؤسسى أكثر مرونة ومواءمة لتحقيق هذا الهدف مقارنة بالنظام الرئاسي37. خاصة وأن سلبيات النظام الرئاسي تبرز بشكل جلى في ظل التعددية الحزبية، هذا في حين يمكن أن يسهم النظام البرلمانى في استيعاب التباينات الإثنية والعرقية التي تنتشر في عدد من الدول الآسيوية.

وفي إطار هذا السياق، أرجعت بعض الأدبيات تراجع الأنظمة الرئاسية في دول العالم الثالث بصفة عامة وتفضيلها للنظام البرلمانى إلى عدد من الحقائق من أهمها قدرة ومرونة النظم البرلمانية على التأقلم مع مختلف التغيرات والمستجدات المعاصرة مقارنة بالنظم الرئاسية، بالإضافة إلى نجاح الديمقراطيات البرلمانية التي تلتزم بالتمثيل النسبي في التعامل مع الأقليات العرقية والسياسية مقارنة بالنظم الرئاسية.

وبالنظر إلى طبيعة الأوضاع في كثير من الدول الآسيوية سوف نلحظ ميل معظمها إلى النظم ذات الطابع الرئاسى مثل الفليبين، وهو الذى يعطي قدراً من الصلاحيات للقيادة السياسية التي باتت بدورها تمثل أحد أهم المتغيرات على الصعيد المؤسسي للإصلاح السياسي في المنطقة، حيث تبرز أهمية دور القيادة فى صياغة استراتيجيات الإصلاح خاصة فى ظل كيفية إدراكها للبدائل المتاحة واختيار ما يدعم منها هذا المسار من خلال اختيارات واعية لكل من البدائل المؤسسية والسياسية.

ولعل هذا الواقع هو ما حدا بالكثيرين إلى الاهتمام بدور القيادة السياسية في الدول الآسيوية سواء في حفز أو تعطيل مسيرة الإصلاح السياسي حيث شهدت الصين على سبيل المثال بدايات خطوات جادة نحو الإصلاح بعد الحكم الماوي وعلى يد خلفائه وإن اختصت هذه التحولات بالجانب الاقتصادى دون تطرقها للمجال السياسى، وبالمثل برز إسم محاضير محمد الذي ارتبط بالمرونة وبقبول ثقافة الآخر مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية الآسيوية.

ولعل في هذا الواقع الآسيوى ما يثبت أن القيادة من خلال تحديدها لكل من أسلوب وتوقيت ومسار الإصلاح يمكن أن يسهم في تغيير التاريخ حيث عادة ما يبادر بالتغيرات الكبرى قادة أقوياء يلتزمون بتحقيق هذا التغيير.

_ التعددية كأحد أبعاد الإصلاح السياسي في آسيا :

تشغل التعددية السياسية موقعا محوريا في عمليات الإصلاح السياسي في آسيا وإن اصطبغت بدورها بالطابع الآسيوي الذى كثيرا ما يشهد غلبة حزب قائد في ظل هذه التعددية الحزبية. ففي ماليزيا شهدت البلاد إلى جانب التعددية العرقية تعددية حزبية، إذ يعد حزب الجبهة الوطنية Barisan National التنظيم القومى القائد في البلاد ويمثل تحالف أربعة عشر حزبا تمثل مختلف العرقيات المتواجدة فى المجتمع الماليزي.

هذا ويرجع العدد الكبير نسبياً للأحزاب في ماليزيا إلى طبيعة الشكل الفيدرالى للدولة حيث لكل ولاية أحزابها الخاصة بجانب الأحزاب الأخرى التي تمارس نشاطها على المستوى القومي. من ناحية أخرى، تستند التعددية الحزبية في ماليزيا إلى ظاهرة أخرى ترتبط بالثقافة السياسة التقليدية فى دول جنوب شرقى آسيا وهى كثرة النزاعات والانشقاقات بين مختلف الأحزاب.

في واقع الأمر، تمثل التعددية العرقية أحد الأسباب المحورية للتعددية الحزبية في ماليزيا بل أن الجبهة الوطنية مثلت بالأساس منذ إنشائها تحالف مجموعة من الأحزاب الممثلة للجماعات العرقية وبوابتها الأساسية في تنظيم الآمنو أو ما يعرف بالتنظيم القومي للمالاي المتحدينUMNO الذى أخذ على عاتقة الدفاع عن مطالب المالاي السياسية والاقتصادية وقد تولى محاضير محمد رئاسة الحزب منذ 1987 الذى حمل مسمى الآمنو الجديد بعد انشقاق بعض المجموعات عنه38.

وإضافة إلى الآمنو تضم الجبهة الوطنية تجمع الصينيين الماليزيين الذي اختص بدعم مصالح الصينيين في ماليزيا وقام بتوجيه العديد من الانتقادات إلى الحكومة لفشلها في تقديم التمويل للمؤسسات التعليمية.

وفي إطار الجبهة القومية يعد حزب تجمع الهنود الماليزيين MIC الممثل الرئيسي للأقلية الهندية في ماليزيا. وقد سعى هذا الحزب إلى الدفاع عن مصالح الهنود في ماليزيا في محاولة لتنمية أحوالهم السياسية والاقتصادية.

هذا وقد تواجد أيضا على الساحة الحزبية الماليزية إضافة إلى هذه الأحزاب مجموعة من التنظيمات الحزبية التي جسدت كافة العرقيات الماليزية مثل حزب الشعب التقدمى الذي يضم بالأساس المجموعات الصينية وحزب المالاي التقليدى ويعرف بتحالف سارواك الذي يختص بالدفاع عن مصالح المالاي. وذلك إلى جانب أحزاب أخرى على غرار حزب سارواك الشعبي المتحد وحزب سارواك للعمل الوطنى والحزب الشعبي الوطني لولاية سارواك وحزب العدالة وحزب صباح الديمقراطي وحزب صباح الشعبي المتحد وحزب صباح القومي. وبذلك يتضح الطابع الخاص للتعددية الحزبية فى ماليزيا.

وعلى صعيد آخر، تتبدى في بعض الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين تراجعا ملحوظا في الإصلاح السياسي حيث يعد الحزب الشيوعي الصيني، والذي تأسس أول يوليو عام 1921 بشنغهاى، الحزب الحاكم في الصين والممثل لمصالح الشعب الصيني كله، ومنذ نشأة الحزب إلى الآن يهيمن الحزب على الحياة السياسية في الصين. وبالإضافة إلى الحزب الشيوعي الصيني هناك بعض التنظيمات السياسية الأخرى والتي تشتمل على تنظيمات ثمان هي اللجنة الثورية لحزب الكومنتانج الصيني، وحزب تشي قونغ وانغ الصيني، وجمعية جيوسان، والرابطة الديمقراطية الصينية، ورابطة الحكم الذاتي الديمقراطية في تايوان، والجمعية الديمقراطية الصينية لبناء الوطن، والجمعية الصينية لتنمية الديمقراطية، والحزب الديمقراطي الصيني للفلاحين والعمال. ولعل مما تجدر الإشارة إليه إن الصين ما زالت تعلن حرصها على استمرارية نظام الحزب الشيوعي وتجنب محاولات الإصلاح على النهج الغربي برغم الانتقادات الموجهة إليها وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية حين انتقد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي هذه الأوضاع.

هذا وتشهد اليابان أيضا إصلاحا سياسيا تأثر بطبيعة الحال بصلاتها الوثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية إلا إن خصوصية الواقع الياباني المتأثر بالثقافة السياسية هناك أسبغ على الحزب الليبرالي الديمقراطي أهمية خاصة حيث يعد الحزب الليبرالي الديمقراطي هو الحزب الحاكم في البلاد وذلك خلال الفترة من عام 1955 وحتى عام 1993، أى أن الحزب استمر مهيمن على الحياة السياسية بالبلاد لمدة 38 عام. وفي عام 1993 لم يتمكن الحزب من الفوز في الانتخابات التشريعيية ومن ثم لم يتمكن بالمشاركة في الحكم حتى من خلال حكومة ائتلافية، إلى أن عاد مرة أخرى للحكم في شكل ائتلافات حكومية وذلك عام 1994. وهو ما يثير تساؤلات كيف يمكن تصنيف اليابن على إنه بلاد ديمقراطي برلماني في ظل سيطرة حزب واحد على الحكم فى البلاد لمدة أربع عقود تقريبا. وذلك على الرغم من وجود أحزاب عدة في البلاد، إلا إنها تعكس الطبيعة الآسيوية للنظام التعددي.

_ دور القيادة السياسية :

لعبت القيادة السياسية في آسيا دورا محوريا في عملية الإصلاح السياسي التي شهدتها بعض الدول الآسيوية خاصة في ظل بروز الدور الرائد لبعض القيادات الآسيوية ومن بينها دور القيادة السياسية فى كلا من ماليزيا وكوريا، ففي الأخيرة تشغل كل من السلطة والقيادة موقع الصدارة بين مختلف مكونات الثقافة السياسية الكورية بحيث أكدت هذه الأخيرة على أهمية الاستحواذ على السلطة بما يضمن مكانة خاصة لمن يمتلكها، ولعل في هذا الواقع ما قد يفسر الصراعات بين مختلف القيادات الحزبية الحالية للحصول على مكاسب سياسية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التاريخ الكورى يزخر بالتوجهات السلطوية نتيجة قناعة الكوريين بعجز الأساليب السياسية عن تحقيق الانضباط داخل المجتمع الكوري وهو ما قاد تدريجياً إلى تبلور مفهوم السلطوية الذي ما زالت آثاره ممتدة في الممارسات السياسية المعاصرة بحيث يؤكد الواقع الكوري الحالي افتقار الثقافة السياسية الكورية إلى بعض أسس الديمقراطية الغربية المناهضة للسلطوية كإقرار التعددية واللامركزية، بل أن كثير من الجماهير الكورية ما زالت تحجم عن المشاركة السياسية على نحو ما شهدته انتخابات 2002.

هذا وقد عكس نسق المعتقدات السياسية لدى الشعب الكوري نبذه للمنافسة السياسية بصفة عامة، هذا بالإضافة إلى رفضه لحكم الأغلبية في إطار تفضيله للإجماع والاتفاق العام في القرارات السياسية وهو ما رسخ قيم السلطوية لدى المجتمع الكوري إلى حد تقديس هذا الأخير للسلطة الرسمية وإضفاء مكانة خاصة على المسئولين الحكوميين تصل إلى حد قبولهم للسلطة المطلقة.

ولعل في هذا الواقع ما قاد الكوريين إلى توصل النظام الرئاسي الذي يضفي أهمية خاصة على شخصية القيادة39. كما أكدت الثقافة السياسية الكورية على قيمة الطاعة في إطار التأكيد على روح الجماعة وتقديس المسئولية. ونتيجة لذلك يتراجع في كوريا التعبير بشكل فاعل عن الطابع الفردي مما ينتج عنه عادة إغفال الاهتمامات الفردية والتأكيد على المسئولية الاجتماعية.

وفي إطار هذا السياق امتدت فترات الحكم لكثير من الحكام الكوريين واتسم الحكم بالمركزية الشديدة نتيجة طبيعة شبه الجزيرة الكورية التي تتسم بالصغر النسبي وبكثافة سكانية عالية مما قاد إلى هيمنة الجهاز الحكومي المركزي واستمرارية الحكم لفترات طويلة بما ضمن الاستقرار الذي وصل إلى حد الجمود في بعض الأحيان.

وفي ماليزيا، لجأت حكومة محاضير محمد مع بداية التسعينيات، وفي إطار ما عرف بالجبهة الوطنية البديلة Barisan Alternative باتخاذ مجموعة من القرارات التي كان شأنها إسباغ قدر أكبر من الليبرالية وأن اختصت بالأساس بالجانب الثقافي دون السياسي وذلك للتخفيف من حدة المواجهات بين كل من المالاي وغير المالاي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن التوجهات التحررية للنظام حرصت على عدم المساس بالممارسات السياسية حيث ظل النظام متسماً بنفس طابع "السلطوية الناعمة"40. وذلك من خلال مجموعة من الأهداف التي تتمثل في التخفيف من حدة بعض القيود وتوسيع نطاق كل من الحقوق الفردية والجماعية داخل النظام .

إذ قامت الحكومة الماليزية بقيادة محاضير محمد بمحاولة الموازنة بين مختلف العرقيات لتقليص سلطات وصلاحيات حكام المالاى التقليدين الذين يعدون أهم رموز سلطة المالاي. وتمثل أول تحدي صريح لهذه السلطات في قيام محاضير محمد خلال عامى 1983-1984 بتعديل الدستور الماليزى بحيث تم نقل سلطة إعلان حالة الطوارئ من الملك إلى رئيس الوزراء وذلك دون اللجوء إلى البرلمان وهو ما كان من شأنه تحجيم السلطة التقليدية للملك لصالح رئيس الوزراء41.

ومن جانبه حرص محاضير محمد على الحصول على مساندة مختلف قيادات الحزب والرأي العام الماليزي لهذه التعديلات خاصة وأن كل من قيادات الآمنو ومجتمع المالاي قد تباينت مواقفهم إزائها. مما أدى إلى توتر العلاقة بين كل من محاضير محمد وبقية قيادات الآمنو خاصة بعد أن لجأ الآمنو عام 1990 ولأول مرة إلى الانتقاد الصريح لدور السلاطين.

وفي عام 1994 شن الآمنو حملة إعلامية واسعة النطاق ضد حكام ماليزيا التقليديين إثر اعتداء سلطان جوهور على أحد المواطنين الماليزيين. وعلى عكس ما كان عليه الحال خلال 1983-1984 اتفقت كل من قيادات الآمنو والرأى العام المالاوي على موقف موحد ضد هؤلاء الحكام التقليدين.
وعلى نفس الصعيد شهد الدستور الماليزي تعديلاً آخر لم يعد بمقتضاه الحكام التقليديون يتمتعون بالحصانة ضد المتابعة الجنائية وهو ما عنى تراجع مكانة هؤلاء كأحد ركائز الهوية المالاوية وخاصة بين رجال الأعمال المالاى في المناطق الحضرية وبين مختلف أفراد الطبقة الوسطى.

ومن جانبه حث محاضير محمد وبقية قيادات الآمنو على ضرورة تعلم اللغة الإنجليزية كأحد مقتضيات التنمية وذلك برغم استمرارية تأكيده على أهمية لغة المالاي كلغة قومية وعلى هذا النحو تم البدء في استخدام اللغة الإنجليزية فى التعليم في عدد من الجامعات منذ بداية التسعينيات وهو ما عكس تراجع النظام عن سياساته السابقة في فترة السبعينيات بشأن استخدام لغة المالاي كلغة التعليم الأساسية.

وبالمثل بدأت بعض الصحف القومية تصدر بالإنجليزية مع بداية التسعينيات على غرار صحيفة "القائد" لسان حال المالاى كما حرصت بقية وسائل الإعلام كالإذاعة والتليفزيون على بث عدد من البرامج بهذه اللغة.

وبطبيعة الحال أثارت هذه الأوضاع قلق بعض قيادات الآمنو نظراً لما يمكن أن تمثله من تهديد محتمل لتفوق ثقافة المالاى إلا أن محاضير محمد حرص على تأكيد الوضعية الثقافية للمالاى بما أسهم فى تهدئة الأمور خاصة بعد إعلانه عن ضرورة استخدام اللغة الإنجليزية كأحد مقتضيات التنمية وفقا لرؤية 2020 التي حددت معالم الخطة التنموية المستقبلية لماليزيا.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 27-05-2006, 09:35 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
﴿6﴾ صعوبات وعوائق الإصلاح السياسى فى آسيا

حرصت الدول الآسيوية - في ظل رغبتها الملحة في الحفاظ على خصوصية ثقافتها التقليدية- على التعامل بحذر مع هذا الإصلاح خاصة فيما يرتبط ببعده السياسى. وفي ظل ما تتسم به الثقافات التقليدية الآسيوية من توجه سلطوي وتنزع إلى قدر من مركزية الحكم مع عدم الميل إلى المذهب الفردى - كما سنوضحه بالتفصيل. هذا ويستوجب استجلاء طبيعة هذا التعارض بدايةً ضرورة إلقاء الضوء على المسلمات التى تطرحها المنظومة الليبرالية ثم التعرض لمدى ملاءمتها للواقع الآسيوى.

أ. القيم الآسيوية في مواجهة المنظومة الليبرالية :

في ظل تراجع كثير من النظم السلطوية لتحل محلها أنظمة تعتمد على الاختيار الشعبى طرحت أدبيات الإصلاح السياسى والتحول الديمقراطى عدداً من الأفكار المشتركة حول طبيعة هذه العملية التى يجب أن يسودها نوع من التنافسية السلمية بين كل من الأفراد والجماعات مع توسيع لمجال المشاركة السياسية في إطار انتخابات دورية وتوفر أكبر قدر من الحريات السياسية والمدنية42.
إذ أنصب التركيز في هذا الصدد على أن الديمقراطية الليبرالية وبعدها الاقتصادي المتمثل في الفكر الرأسمالي باتت تعكس التوجه المستقبلي الأوحد لمعظم دول العالم في ظل تراجع إيديولوجية بديلة منافسة، وهو ما مثل تحدياً سافراً للعديد من المنظومات القيمية التي ظلت راسخة لفترة طويلة فى كثير من دول القارة الآسيوية. ما يهمنا في هذا المجال هو الإشارة إلى حرص المفكرين على تحليل الأوضاع التى يمكن أن تسهم في حفز آليات وركائز هذا الإصلاح دون إيلاء أهمية للتعرف على أسباب إمكانية تعرض كثير من دول العالم الثالث لانتكاسات يمكن أن تجهض محاولات التغيير، خاصة وأن كثير من هذه الدول وخاصة في القارة الآسيوية وإن شهدت إصلاحات سياسية إلا أن عدم اقتناع كافة الفاعلين السياسيين بطموحات هذا الإصلاح مع إمكانية رفض بعض الجماعات لقرارات صانعي القرار المنتخبين يمكن أن يهدد بعودة الديماجوجية السلطوية في هذه البلدان التي يرى الغرب أن لها باعاً طويلاً فى الاستبداد وفقاً لنظرية الاستبداد الشرقي التى يروجها.
وفي إطار هذا السياق طرحت أدبيات الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي لبعض المسلمات ومن أهمها:

أ. ضرورة وجود دور للمنظمات المستقلة في مواجهة الدولة، وبوجه خاص، فيما يتعلق بممارسة القوة السياسية وصياغة وتطبيق السياسات، إضافة إلى عمليات التجنيد السياسى مع ضمان التفاعل بين الدولة والمجتمع في ظل علاقة تعاون تسمح للدولة بتنفيذ برامجها التنموية43. وهنا يجب التأكيد على صعوبة إغفال الدور المتنامي لهذه التنظيمات في إقصاء عدد من الأنظمة السلطوية في آسيا وفي حفز المطالبة بمزيد من الإصلاحات السياسية على نحو ما شهدته تايوان وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وغيرها. بيد أن هذا الواقع لا يجب أن يحجب حقيقة هامة وهي أن هذه التنظيمات عليها أن تعمل في ظل سلطوية النظام الحاكم وبيروقراطية مركزية ترجح كفة الدولة وتضمن استمرارية هيمنتها على الأمور.

ب. الإدراك العام بأهمية دور الفاعلين الخارجيين على كل من الصعيد الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري44. على نحو ما أسلفنا - وهو ما يعني تراجع وانحسار دور الدولة لصالح تنظيمات تعمل من داخلها أو من خارجها، وبطبيعة الحال يعكس الواقع الآسيوي مثالاً صارخاً على بروز دور للفاعلين الخارجيين فيما يتعلق بأسلوب إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية.

ج. التأكيد على ضرورة وجود منظومة قيمية تعكس ثقافة سياسية يمكن أن تسهم في تحجيم الصراعات المحتملة بين كل من الحكام والمحكومين كما تحد من استخدام العنف في ظل علاقة تنافسية غير صراعية، فإذا ما علمنا افتقار كثير من النظم الآسيوية إلى هذا الواقع لكان لنا أن ندرك مدى صعوبة رسوخ هذه المنظومة خاصة مع تنامي الصراعات التي يتم فيها اللجوء إلى العنف، ولعل أحداث إقليم آتشيه في إندونيسيا يمكن أن تلقى الضوء على تعدد المصادمات بين كل من السلطات وسكان الإقليم الذين يرغبون في الانفصال عن الحكومة الإندونيسية وإرساء دعائم دولة مستقلة.

د. الإدراك العام بأهمية توفر شرعية تستند إلى القبول الشعبى وفاعلية الأداء45، وهنا تجدر الإشارة إلى أن كثير من الدول الآسيوية تفتقر إلى رسوخ شرعية نظمها بما يهدد الاستقرار السياسى فيها، ولعل المظاهرات التى شهدتها بعض الدول مثل تايلاند عام 1992 وغيرها خير مثال على هذا الواقع، الذي يفسره عجز النظام عن الاستجابة لمجموعة من المدخلات التي يفرضها عصر العولمة كتنامى مطالب المشاركة الشعبية إضافة إلى تراجع الأداء السياسي والاقتصادي لكثير من الأنظمة الآسيوية.

ﻫ. ضرورة تمتع كل من السلطة السياسية والإدارية بمستوى عال من اللامركزية، وهو الواقع الذي تنكره كثير من الدول الآسيوية في ظل تجذر مفاهيم المركزية لفترات طويلة، حيث ترسخت على سبيل المثال هذه المفاهيم في كوريا منذ حوالي ألفي عام ومازالت تمثل عاملاً حاكماً في عملية صنع القرار، إضافة أن نسق المعتقدات السياسية في كثير من الدول الآسيوية يعكس عدداً من التوجهات السلطوية التي نبذت العديد من القيم الليبرالية الأخرى كالمنافسة السياسية وحكم الأغلبية وحقوق الأقلية.

و. وأخيراً، ضرورة تعديل الهياكل السياسية والاجتماعية بحيث يمكن أن تتواءم مع التغيرات الاقتصادية بما يجنب النظام خطر التعرض لمزيد من عدم الاستقرار الذى يمثل في حد ذاته خطراً على عملية الإصلاح.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدراسات التي اختصت بالتعرف على ملامح الإصلاح السياسي لم تتوصل إلى نظرية عامة يمكن تطبيقها على مختلف الدول بقدر ما ساقت بعض الأفكار المشتركة التي تمحورت حول اعتبار الإصلاح السياسي أو التحول الديمقراطي هدفاً مرغوباً فيه من قبل مختلف الشعوب، وبالتالي عكفت على دراسة كيفية مواجهة الصعوبات التي يمكن أن تقف عائقاً في سبيل تحقيق هذا الهدف، وذلك دون التطرق إلى محاولة التعرف على التباينات القائمة بين كل من التجارب الغربية والآسيوية في هذا المجال والتي تنعكس بطبيعة الحال على ملامح هذا التطور في الدول الآسيوية.

فعلى سبيل المثال، تنفرد ماليزيا بممارسات للإصلاح السياسي ذات طبيعة خاصة تحددت معالمها في إطار ما بات يعرف "بالديمقراطية الآسيوية" في إشارة واضحة لتمايزها عن مكونات المنظومة القيمية للديمقراطية الغربية التي تستند إليها بالأساس آليات التحول الديمقراطي المعاصر. وهو ما يرجع بالأساس إلى طبيعة الثقافة السياسة الماليزية التي تشغل فيها المكونات التقليدية موقع الصدارة في إطار ما يعرف "بالقيم الآسيوية" Asian Values.46 إذ أن القيادة الماليزية لم تر في هذا النمط من الإصلاح السياسي الذي يستند إلى القيم التقليدية أى عائق للتنمية، بل على العكس من ذلك ارتأى الماليزيون نجاح هذه القيم في الحفاظ على الاستقرار السياسى للبلاد بقيادة محاضير محمد وذلك استناداً إلى تقبل قدر أقل من الإصلاح في سبيل ضمان قدر أكبر من الاستقرار السياسي47.

وفي إطار هذا السياق شغلت بعض القيم الآسيوية موقع الصدارة في المنظومة القيمية الماليزية وذلك فى تناقض ملحوظ مع مثيلاتها الغربية حيث تراجعت في الأولى التوجهات الفردية لصالح قيم العمل الجماعي كما تنامت مكانة كل من السلطة الحاكمة في النظام والحفاظ على الهيراركية مع ما يقتضيه ذلك من ضرورة طاعة القيادة. كما حظيت قيمة الاتفاق بأهمية كبرى داخل المنظومة القيمية الماليزية وهو ما عنى النظر بعين الشك والريبة للآراء المعارضة نظراً لما تمثله من انشقاق عن الصف وتهديد لهذا الاتفاق.

ولعل من هذا المنطلق كان رفض المجتمع الماليزي للمعارضة السياسية والذي تبدى في ضعف وتراجع الأحزاب السياسية المعارضة. وهو ما ساهم في نجاح ماليزيا في تجاوز العديد من الصعوبات ومن أهمها الصراعات الإثنية في البلاد حيث نجح النظام فى احتواء التوترات العرقية التى سادت البلاد عام 1969.

وعلى الصعيد الشعبي لم ير الماليزيون في هذا النهج ما يمثل تهديداً للتنمية في البلاد بل على العكس من ذلك ارتأوا فى هذه الممارسات التي شابها قدر من السلطوية الأسلوب الأمثل في الحكم في ظل واقع التعددية العرقية.

وعلى هذا النحو أعرب الماليزيون عن تقبلهم لنظام شبه ديمقراطي أو كما يحلو للبعض أن يطلق عليه نصف ديمقراطى وذلك طالما كان قادراً على المضى قدما في التنمية الاقتصادية، ومن جانبه دافع محاضير محمد عن المكونات التقليدية للثقافة السياسية الماليزية التي أبرزت بدورها ملامح وسمات الإصلاح الماليزى وذلك لقدرتها على إدارة الرأسمالية الآسيوية.

وفي كوريا ما زالت الثقافة السياسية التقليدية تشكل إدراك الأفراد وتحدد طبيعة القضايا الاجتماعية كما تؤثر على عملية صنع القرار. ووفقاً لهذا الفكر فإن الثقافة السياسية لم ينظر إليها باعتبارها أداة توظف من قبل الدولة لخدمة الأغراض السياسية بقدر ما عدت المحدد الرئيسي والمحوري لسياسات الدولة ذاتها التي يجب أن تلتزم بها في ممارساتها بصفة عامة.

وعلى هذا النحو فإن الثقافة السياسية في كوريا ترتبط بالأساس بالمجتمع دون الدولة وهو ما يعني صعوبة إخضاع المتغير الثقافى للسياسة وضرورة لجوء الدولة إلى المجتمع ذاته لحفز مثل هذا التغير من داخله ودون التدخل السياسي المباشر.

ويعكس هذا الواقع في مجمله نبذ تبعية الثقافة للدولة بحيث يتمتع المتغير الثقافي بحيز واسع من الحرية في مواجهة أية ضغوط سياسية وهو ما يشهده الواقع الكورى المعاصر من استمرارية العلاقة الصراعية بين كل من السياسة والثقافة ورفض هذه الأخيرة لأي ضغوط للتغيير تفرض من قبل الدولة.

هذا ويتبدى التباين بين كل من المجتمع والدولة في إطار الثقافة السياسية التقليدية في كوريا في اختلاف اتجاهات كل منهما تجاه اللجوء إلى الإكراه والقوة فالمجتمع عادة ما لا يميل إلى استخدام السلطة القمعية نظراً لنشأته التلقائية التدريجية في حين تلجأ الدولة التي نشأت في مرحلة لاحقة كإطار تنظيمى إلى استخدام الأدوات الإكراهية.

وعلى صعيد أخر تنقسم الثقافة السياسية التقليدية في كوريا مثل غيرها من الثقافات إلى ثقافة سياسية نخبوية وأخرى جماهيرية48. وعلى هذا النحو يتبدى المستوى الأول في ممارسات القيادة التي تميل بصفة عامة إلى الاتجاه السلطوي والالتزام بالهيكل التنظيمي إلى جانب امتداد فترات الحكم في ظل مناخ صراعي وانقسامات متعددة. أما على المستوى الجماهيري فقد استندت الثقافة السياسية الكورية بصفة عامة إلى مفاهيم الثورة والتمرد.

ب. فرص وآفاق تجارب الإصلاح السياسى في آسيا :

السؤال الذى يتبادر إلى الأذهان الآن يتعلق بمدى ملاءمة هذا الفكر للواقع الآسيوي الذي ظل متأثراً بمكونات ثقافة سياسية تقليدية مازالت بصماتها تظهر جلية في الممارسات السياسية المعاصرة وبالتالي يكون الحديث عن فرص وآفاق تجارب الإصلاح السياسي في آسيا. ويكفي في هذا المجال الإشارة إلى أن الغرب ذاته قد ساق العديد من الحجج التي إرتأت صعوبة تحقق تحول ديمقراطي في آسيا على النهج الغربي حتى أن بعض التجارب الآسيوية التي عدها الغرب ناجحة نسبياً في هذا المجال كالتجربة اليابانية قد حرصت على الالتزام بثقافة سياسية تقليدية نبذت إلى حد كبير أحد أهم ركائز هذا التحول والمتمثلة في التنافسية ومبدأ تبادل السلطة الذي اضطر اليابان إلى تقبله مع بداية التسعينيات مع فشل الحزب الديمقراطى الليبرالى في تشكيل حكومة بمفرده وهو ما قاده إلى التفكير في حكومة ائتلافية في عام 1994 و1996 منذرة بتعرض اليابان منذ تلك الفترة لسلسلة من الحكومات الائتلافية قصيرة العمر49.

وبوجه عام، يمكن القول أن الثقافة السياسية السائدة في كثير من الدول الآسيوية خاصة في منطقة شرقي آسيا تعكس بدورها تقاليداً راسخة يستند بعضها إلى الفكر الكونفوشيوسى أو البوذى وغيرها من المعتقدات التي مثلت عائقاً نحو تحول ديمقراطي على النهج الغربي في هذه الدول، فمن المعروف على سبيل المثال أن الثقافات السياسية في هذه المنطقة تسبغ أهمية خاصة على السلطة الأبوية على حساب السلطة السياسية ذاتها إضافة إلى تأكيد قيمها على العلاقات الشخصية والعائلية. وتجدر الإشارة إلى أن الثقافة السياسية في هذه البلدان تنقسم عامة إلى ثقافة نخبوية وأخرى شعبية حيث تعكس الأولى تعارضاً بينا مع مقولات الإصلاح السياسي خاصة فيما يتعلق بهيمنة التوجهات السلطوية وامتداد فترات الحكم لحقب طويلة، إضافة إلى تأثر كل من النخب السياسية والاجتماعية بالمفهوم الطبقى ناهيك عن استمرارية التنافس الحاد بين كل من المدنيين والعسكريين في إطار مناخ صراعي وانقسامات شديدة. وفي مواجهة هذه الثقافة السياسية النخبوية استندت الثقافة الشعبية فى معظم الدول الآسيوية إلى مفاهيم الثورة والتمرد على نحو ما شهدته كوريا الجنوبية وإندونيسيا وغيرها.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد، أن بعض النظم الآسيوية حتى تلك التي انتهجت النهج الشيوعي مثل الصين وكوريا الشمالية قد لجأت بدورها إلى توظيف هذه التقاليد السلطوية بما يخدم أيديولوجيتها برغم إدعاء هذه الدول الانسلاخ عن تراثها السياسي التقليدي، حيث مازالت تستند إلى أنماط للمعتقدات والسلوك السياسي في ممارساتها السياسية المعاصرة تمتد إلى فترات تاريخية سابقة للحكم الشيوعى. وفي هذا السياق تفتقر الممارسات السياسية في كثير من الدول الآسيوية إلى معايير الأحقية والكفاءة كأساس للتجنيد السياسى، بل وصل الحال إلى تقبل مبدأ خلافة الإبن للحاكم على نحو ما شهدته كوريا الشمالية وذلك في ظل احترام شديد للهيراركية القائمة.

ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من نجاح عدد من الدول الآسيوية في تحقيق مستوى اقتصادي مرتفع وحفز عملية النمو الاقتصادي إلا أنها عجزت عن مواجهة مجموعة من الصعوبات التي تمخضت عن هذا التقدم والتي مثلت عائقاً للإصلاح السياسي، ومن أهمها عدم مواكبة التطور السياسي والاجتماعي للتغيرات الاقتصادية المتلاحقة حيث استمرت هيمنة الجهاز الحكومي المركزي واتسم البناء الاجتماعي بالتمايز الطبقى كما يستند إلى العائلات القوية والانتماءات الإقليمية. هذا وقد لوحظ في كثير من الدول الآسيوية تعدد الصراعات والانقلابات مثلما كان عليه الحال فى كوريا الجنوبية وباكستان وغيرها مما أثر سلباً على كفاءة الأداء الحكومي ونظراً للرؤية الضيقة والقاصرة لكل مجموعة متنافسة وحرصها على ضمان قوتها في مواجهة الأخرى. ومما يؤكد هذا الواقع ما تشهده الساحة السياسية في عدد من هذه الدول من صراعات علنية حول السلطة السياسية التي تحركها الرغبة في تحقيق مطالب سياسية حيث قام الرئيس الكورى الجنوبى روتاى وفي أوائل التسعينيات من القرن العشرين بنفى الرئيس السابق وعدد من المعارضين السياسيين كما تعددت محاكمات القادة السالفين50.

وفي محاولة لتفسير هذا الواقع الآسيوي المتحفظ بشأن بعض مقترحات المنظومة القيمية الليبرالية تبرز أهمية الطابع القومى لكثير من مناطق القارة، فقد اتسم هذا الطابع على سبيل المثال في بلدان شرقي آسيا بننذ الفكر الفردي الذي يعد أحد أسس وركائز المنظومة الديمقراطية الغربية حيث تحرص شعوب هذه الدول على إرساء دعائم التماسك في إطار روح الجماعة والعمل من داخلها بل وتحقيق الاتفاق بين أعضائها دونما اعتبار للآراء المخالفة، وهو ما يفسر لنا تراجع فاعلية المعارضة في هذه الدول حيث ينظر إلى أعضائها نظرة شك وتوجس باعتبارهم منشقين عن الصف، هذا فى حين يعد وجود معارضة فاعلة أحد ركائز الإصلاح السياسي.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27-05-2006, 09:37 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
﴿7﴾ تباينات الإصلاح السياسى ومحاولة إيجاد صيغ توفيقية

اتضح مما سلف، صعوبة التوصل إلى صياغة واحدة لعملية الإصلاح السياسي في مختلف دول العالم، وذلك لتباين ثقافات هذه الدول وتمايز مستويات نموها الاقتصادي الذي يعد أهم شروط الإصلاح السياسي. هذا بالإضافة إلى تعدد وتباين الأسباب ذاتها التي قد تقود إلى موجات الإصلاح السياسى في بلدان دون غيرها وفي فترات زمنية مختلفة .

وبطبيعة الحال شهدت القارة الآسيوية مثل غيرها من مناطق العالم تمايزاً واضحاً في تجارب الإصلاح السياسى وذلك من حيث مدة هذا الإصلاح والعوامل التي قادت إليه. ففي حين عدت التجربة اليابانية أحد النماذج الديمقراطية الناجحة في شرقي آسيا عكست التجربة الصينية تراجعاً ملحوظاً للإصلاح السياسى على الصعيد السياسى، وفي حين انطلقت في الهند العوامل الحافزة للتحول الديمقراطي من الداخل مثلت العوامل الخارجية في اليابان أحد أهم العناصر الحاكمة لبدايات هذا التحول .

وفي هذا السايق، تجدر الإشارة إلى امتداد نطاق التباينات ليشمل دور الفاعلين الدوليين في دعم هذه الإصلاحات خاصة وأن عدداً من الدول الآسيوية قد تلقى مساعدات خارجية لإرساء دعائم مؤسسات الدولة الحديثة وتحقيق النمو الاقتصادى المنشود، وحرصت الدول المانحة المتمثلة أساساً في الولايات المتحدة وحلفائها على الربط بين حجم المعونات من ناحية ودرجة الإصلاح السياسى الذي حققته الدول الآسيوية المتلقية من ناحية أخرى، وقد شهدت هذا الواقع عدداً من الدول الآسيوية مثل كوريا الجنوبية وباكستان.

من ناحية أخرى، اختلفت خبرة الدول الآسيوية في الإصلاح السياسى حيث كان بعض الدول قد قطع بالفعل شوطاً كبيراً في هذا المجال مثل الهند، هذا في حين مازالت دول أخرى تتلمس بدايات هذا الطريق، بل وتتوجس خيفة منه نظرا لما يمكن أن ينتج عنه من تداعيات سلبية على الأوضاع السياسية في البلاد - على نحو ما تشهده كل من الصين وفيتنام. وفي سبيلها لإرساء هذه الإصلاحات السياسية تباينت درجة الاستقرار السياسي في عدد من الدول الآسيوية، ففي حين شهد بعضها قدراً من الاستقرار السياسي عبر مجموعة من الإصلاحات السياسية عانت دول أخرى من تراجع لمستويات الاستقرار السياسي داخلها خاصة مع تنامي المطالبات الشعبية بمزيد من الإصلاح السياسي على نحو ما شهدته باكستان التى يسودها صراع تقليدي بين كل من مؤسسة الرئاسة والبرلمان بشأن أبعاد وحجم الإصلاح، وهو ما أدى إلى انتكاس تجربة الإصلاح السياسي خاصة مع تدخل العسكريين. وبالمثل اتسمت الأوضاع السياسية في عدد آخر من الدول الآسيوية بالاضطراب وعدم الاستقرار مثل الفليبين وإندونيسيا حيث تعرضت لهزات قوية مازالت توابعها تؤثر بشدة على استقرارها السياسي في إطار محاولتها إقامة أسس للإصلاح السياسي.

ولعل مما يذكر أن ما تشهده عدد من الدول الآسيوية من استمرارية كثير من الأنظمة لفترات طويلة تتبنى خلالها إصلاحات سياسية لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق إصلاح سياسي مستقر في هذه الدول مستقبلاً51.

وبوجه عام، فقد لجأت الدول الآسيوية إلى محاولة تحقيق قدر من المواءمة بين واقعها المحلي وخصوصيتها الثقافية من ناحية وبين المستجدات المعاصرة من ناحية أخرى. ففي حين تمسكت بعض القيادات الآسيوية برؤية خاصة للإصلاح السياسي تمثل نوعاً من الصيغ التوفيقية التي لا تنعزل عن المستجدات العالمية المعاصرة وفي الوقت ذاته تلتزم برؤيتها الخاصة لهذا الإصلاح فى إطار منظومتها القيمية التقليدية.

وفي إطار هذا السياق اجتذبت التجربة الصينية الأنظار حين ارتأى البعض صلاحية نظرية الطريق الثالث للتطبيق في هذه الدولة بما يضمن الحد من ظاهرة الإقصاء والتهمش في ظل التحولات العميقة المتسارعة التي أدت إلى عولمة الاقتصاد، وذلك من خلال ما اصطلح على تسميته "اشتراكية ذات خصائص صينية" أو "اقتصاد السوق الاشتراكي". ولعل مما يذكر أن نظرية الطريق الثالث جاءت في الأساس اجتهاداً غربياً في محاولة لتصحيح أخطاء في التطبيق الغربي نتيجة المواجهة بين اليمين المحافظ الذي يتمسك بمبادئ السوق وبين اليسار الذي يدعو إلى تحقيق عدالة اجتماعية من خلال نظام اجتماعى لإعادة التوزيع، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا الفكر الذي هدف إلى معالجة مشكلات التطبيق الرأسمالي وخاصة المشكلات الاجتماعية الناجمة عن العولمة ومن بينها مشكلات عدم الاستقرار الاجتماعي يمكن أن يسهم في حفز التحولات في الصين خاصة وأنه يدق ناقوس الخطر من العولمة وينادى بإعادة بناء الديمقراطية على نحو جديد يضاعف من كفاءة دور الدولة.

ومن ناحية أخرى، وفي إطار حرص المجتمعات الآسيوية على التمسك بثقافاتها التقليدية نهلت هذه الدول بحذر شديد من الفكر الليبرالي وبشكل انتقائي بما يتناسب مع أوضاعها، ولعل من بين الأفكار التي تجنب العديد من الأنظمة الآسيوية الخوض فيها لحساسيتها فيما يتعلق بحق الأقليات الإثنية وحق تقرير المصير وحق الانفصال على نحو ما تشهده ماليزيا وإندونيسيا52. هذا، كما يرفض الفكر الآسيوي مأسسة السلطة التي تعد من أهم قيم المنظومة الغربية حيث تتعارض من وجهة النظر الآسيوية مع تقاليد الولاء والخضوع للحاكم. إضافة إلى نبذه التنافس كأحد ديناميات القوة الدافعة للتطور السياسي والاجتماعي حتى على مستوى الانتخابات ذاتها.

إطلالة على بعض التباينات من النماذج الآسيوية

إن محاولة إلقاء الضوء على التباينات القائمة بين مختلف تجارب الإصلاح السياسي في آسيا تفرض بدورها تساؤلاً ملحاً يدور حول أسباب هذه التباينات، ومدى اقترابها أو ابتعادها من النموذج الغربي للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، وهو ما يستوجب بالضرورة محاولة سبر أغوار هذا الواقع للتعرف على بعض النماذج الآسيوية التي تعكس فيما بينها تبايناً ملحوظاً في هذا الصدد.
في هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن عمليات الإصلاح السياسى التي شهدتها القارة الآسيوية قد تأثرت بتضافر وتفاعل كل من العوامل الداخلية والخارجية وذلك بنسب متفاوتة، فإن كان للأولى في كثير من البلدان الآسيوية أثر فاعل في مدى تقبل الإصلاح السياسي فقد تبدت في دول أخرى غلبة المتغيرات الخارجية في حفز تلك الإصلاحات. وعلى هذا النحو، واستناداً إلى البعد الداخلي يمكن تفهم أسباب نجاح التجربة الديمقراطية في الهند مقارنة بباكستان وبالمثل تفوق اليابان على الفليبين في هذا الصدد مع تراجع الليبرالية السياسية في دول آسيوية أخرى.
وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية العوامل الداخلية في الإصلاح - على نحو ما أسلفنا- لا يجب أن تحجب الدور الذي يمكن أن تلعبه العوامل الخارجية في هذا الصدد خاصة فيما يتعلق بالضغوط الأجنبية التى يمكن أن تتعرض لها الدول الآسيوية من قبل بعض الدول الكبرى التي قد تفرض نوعية خاصة من علاقات التحالف، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى غلبة الاعتبارات الخارجية وتراجع أهمية المحددات الداخلية للإصلاح كالاعتبارات الثقافية والاجتماعية.

وفي هذا الصدد، جاءت التجربة اليابانية كتجربة رائدة في الإصلاح السياسى خارج العالم الغربسي وهو ما يطرح تساؤل حول طبيعة هذا الإصلاح الذي تشهده دولة آسيوية لها تقاليد سياسية واجتماعية راسخة، ومدى مطابقة النموذج اليابانى للنموذج الغربى للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطى خاصة وأن اليابان ظل يحكمها لفترة طويلة حزب واحد ذو اتجاه محافظ وهو ما ينفى عن التجربة اليابانية أحد أسس ودعائم الديمقراطية المتمثلة في تبادل السلطة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التجربة اليابانية وإن تعايشت أكثر من غيرها في القارة الآسيوية مع الثقافة الغربية التي تحد من تدخل الدولة في بعض المجالات الخاصة بالأفراد إضافة إلى تقبل بعض الممارسات الديمقراطية إلا أن هذا الواقع لا يجب أن يحجب استمرارية تأثر اليابان بثقافتها الآسيوية ذات الطابع التقليدي التي تنبذ الصراع والصدام من مختلف التوجهات السياسية كما تسبغ مكانة خاصة على القيادة السياسية برغم تقليصها لبعض سلطات الإمبراطور. وقد عني ذلك أن المتغيرات الخارجية للتحول قد امتزجت في اليابان بالمكونات الداخلية لثقافتها التقليدية بحيث نجحت التجربة اليابانية في المزج بين القيم الأصيلة ومستجدات التطور التي فرضت على اليابان نبذ فكرة الأحادية وتقبل مبدأ الحكومة الائتلافية بعد انفراد الحزب الديمقراطي الليبرالي بالحكم لفترة طويلة.

على صعيد آخر، يبرز المثال الصيني، فقد شهدت الأخيرة في مرحلة ما بعد الماوية مجموعة من الإصلاحات التي عكست في مجملها إجراءات إصلاحية إرتأتها القيادات الصينية لتصحيح المسار الاقتصادي بما أنذر بتنامي فجوة واسعة في مكونات الإصلاح في الصين بين كل من الجانب الاقتصادي والسياسي حيث التزمت الدولة بما أطلق عليه اقتصاد السوق الاشتراكي الذى يتنافى مع مفهوم الإصلاح السياسي الليبرالي ويمثل عائقاً في مواجهة مؤثرات العولمة.

بيد أن هذا الواقع لا يعني بأي حال من الأحوال أن الصين قد ظلت بمنأى عن هذه المؤثرات حيث لجأ ما عرف بالتيار الإصلاحي داخل الحزب الشيوعي إلى انتهاج سياسات إصلاحية لم تكتف بالجانب الاقتصادي، وإنما امتدت إلى المطالبة بهامش من الإصلاح السياسى لمواكبة التطورات الاقتصادية بشكل تدرجي إضافة إلى بروز توجهات ذات طابع ليبرالي تنادي بإرساء تعددية حزبية وإن انحصر هذا التيار في مجموعة قليلة العدد من المثقفين والطلاب بما يشير إلى محدودية تأثيره بين مختلف الفئات الشعبية التي مازال كثير منها ينظر بحذر إلى التحولات السياسية التى تمثل قضية شائكة خاصة وأن قضية الإصلاح الاقتصادي هناك لم تحسم بعد في ظل الخلاف بين كل من التوجهات الماوية والإصلاحية والليبرالية.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 27-05-2006, 09:40 PM
أ. د. هدى ميتكيس أ. د. هدى ميتكيس غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 10
﴿8﴾ مستقبل الإصلاح السياسى فى القارة الآسيوية

كما سلفت الإشارة، فقد أكدت أدبيات الإصلاح السياسي على ضرورة توافر مجموعة من الشروط لكى تنهج الدول الآسيوية النهج الديمقراطي، فوفقاً لهذا النموذج يتحتم لولوج هذه المرحلة إرساء دعائم منظومة قيمية مواتية لهذا الإصلاح إضافة إلى مجموعة من المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية في هذا الشأن.

وهو ما يعني صعوبة الحديث عن إصلاح سياسي على النهج الغربي دون الاستناد إلى ميراث ثقافى ديمقراطي كالذي تبلور في الغرب خلال عدة قرون، ولعل هذا التصور هو ما حدا إلى الاعتقاد الغربي السائد بأن القارة الآسيوية غير مؤهلة ديمقراطياً.

وسنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على عدد من الوقائع التي قد تمتد جذور بعضها إلى فترات تاريخية سابقة في حين يرتبط البعض الآخر منها بأحداث معاصرة وهي في مجملها وقائع كان لها أعمق الأثر على تحديد مدى تقبل دول القارة الآسيوية لمقولات الفكر الديمقراطى بصفة عامة.

أول ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد تعدد التجارب التاريخية التي عكست معاناة غالبية الدول الآسيوية من الغرب سواء في شكل توسعات استعمارية أو بعثات تبشيرية، وقد لجأ الغرب عبر هذه الأخيرة إلى محاولة إضفاء الطابع الغربي على الثقافة الآسيوية التي تستند إلى ديانات مغايرة للديانة المسيحية، وذلك من خلال نشر هذه الأخيرة.

وعلى هذا النحو شهدت كل من كوريا الجنوبية وإندونيسيا على سبيل المثال تنامي عدد هذه البعثات التي نجحت نسبياً في كوريا في نشر المنظومة القيمية الغربية بين بعض قطاعات الطبقة الوسطى، كما تقوم الكنيسة فيها حالياً بدور فاعل في دعم بعض التوجهات السياسية الديمقراطية في مواجهة سلطوية النظام.

أما في إندونيسيا فقد وُجهت هذه البعثات بمقاومة شديدة من قبل شعبها ذى الغالبية المسلمة (حيث يمثل المسلمون في إندونيسيا ما نسبته 90% من عدد السكان) وصلت إلى حد مواجهات عنيفة ومصادمات تمثل بعضها في حرق بعض الكنائس التي أنشئت في مناطق مكتظة بالمسلمين، وذلك دون ترخيص من السلطات التي تسمح ببناء كنائس في المناطق التي يزيد فيها المسيحيون عن 40% من سكان المنطقة.

وفي هذا السياق يجئ رفض هذه الدول الآسيوية لمحاولات الاختراق الغربية المتتالية لمنظوماتها الثقافية في إطار نبذها العام لأي فكر وافد حتى ولو انتمى إلى نفس القارة الآسيوية، على هذا النحو تبلورت كراهية كوريا لليابان التي لعبت دوراً استعمارياً كبيراً في منطقة شرقي آسيا حيث عانت كوريا من الاحتلال الياباني في الفترة من 1910 حتى 1945 حرصت خلالها اليابان على صهر الثقافة الكورية عبر إحلال اللغة اليابانية بدلاً من الكورية إضافة إلى اعتناق ديانة الشنتو اليابانية وهو ما رفضه الشعب الكوري، وبالمثل رفضت دول آسيوية أخرى الهيمنة الصينية حيث شهدت المنطقة في فترة من الفترات صراعاً حاداً بين كل من الصين واليابان للسيطرة على مناطق في آسيا، وهو الصراع الذي لعب فيه المتغير الثقافي دوراً بارزاً لبسط النفوذ على المنطقة.

ومجمل ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد هو أن الدول الآسيوية ظلت حريصة كل الحرص على ثقافاتها المحلية التي تتباين بشكل ملحوظ في ظل تعدد الأديان والعرقيات داخلها، ومن هذا المنطلق كان رفضها لعدد من ركائز الفكر الليبرالي التي يروج لها الغرب، بل أن عدداً من القيادات الآسيوية حرص على الدفاع عن القيم التقليدية الآسيوية حيث ارتأت هذه القيادات توافق المنظومة التقليدية مع متطلبات التحديث في العصر الحالى دونما حاجة إلى التغيير، وهو ما يعني عدم تعارضها مع مقتضيات وموجبات هذا العصر، وهو ما حدا بكثير من الزعامات الآسيوية إلى رفض بعض الممارسات الديمقراطية التي قد تهدد سلطوية الحكم. وتشير هذه الأحداث إلى أن المنظومة الغربية لم تتوصل إلى اختراق بعمق للقارة الآسيوية التي تفتقر كثير من دولها إلى أسس التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي على النهج الغربي، ويكفي في هذا المجال القول بأن معظمها تغيب فيه قاعدة مستقرة للأحزاب السياسية مع سيطرة للسلطة المركزية، فبرغم الالتزام الشكلى لكثير من القيادات الآسيوية بالقدر اليسير من الإصلاح السياسي كتأكيد الحريات المدنية وتوسيع نطاق المشاركة إلا أن الإطار السلطوي مازال سائداً في كثير منها بحيث يظل ضابطاً لإيقاع الحركة السياسية.

ومن هذا المنطلق، رفضت قطاعات عريضة من شعوب القارة الآسيوية الثقافة الليبرالية الغربية وخاصة الأمريكية، وإن حظت هذه الأخيرة بقدر من الجاذبية لدى قطاعات أخرى ومن أهمها طلبة الجامعات الذين شاركوا في أحداث الميدان السماوى في الصين عام 1989 وقادوا مظاهرات ضد النظام الكوري في التسعينيات وفي تايلاند عام 1992.

ومن ثم، فالخطر الذي تواجهه الدول الآسيوية في الوقت الحالي يكمن في نجاح بعض أفكار المنظومة الغربية في اختراق بعض الفئات الشعبية وما يمكن أن يقود إلى إمكانية تنامي مخاطر التجزؤ والانقسام الثقافي في هذه الدول نتيجة تمسك الغالبية بالثقافة التقليدية في مواجهة القطاعات المتأثرة بتيارات العولمة ومن بينها إلى جانب الجناح الطلابي القطاع النسائي الذي يطالب بتحسين وضع المرأة ومساواتها بالرجل. فإذا ما علمنا مدى تمسك التقاليد الآسيوية بإسباغ مكانة خاصة للرجل سواء في النطاق الأسري أو الوظيفي لكان لنا أن ندرك مدى ما يمكن أن يسهم به الفكر العولمي في تفكك مجتمعي في هذه المنطقة وهو ما بادرت بالفعل بعض وجهات النظر الآسيوية في الإفصاح به تخوفاً من حدوث انحرافات على غرار تلك التي تشهدها المجتمعات الغربية.

خاتمة

في ختام هذا العرض، يجب التنويه إلى إن هذا الواقع الآسيوي ونمط الإصلاح في القارة الآسيوية قاد بدوره إلى مجموعة من النتائج على مستوى الفكر والتحليل لا يجب إغفالها تبدي أهمها في صعوبة الاقتصار على نمط عام من الإصلاحات في دراسة وتحليل الظاهرة مما يؤكد وجود مجموعة من الأنماط المتباينة من الإصلاحات السياسية، وفي هذا المجال في التطبيق مثلت القارة الآسيوية أرضاً خصبة عكست العديد من التباينات القائمة في كل من الظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية بين مختلف التجارب حيث تسهم عادة هذه الأوضاع في تشكيل ملامح هذا الإصلاح. فإذا ما علمنا أن هذا الأخير يعكس رؤية متكاملة تتجاوز المجال السياسي لتشمل كل من المتغيرات الاقتصادية والثقافية التي تتنوع بدورها من مجتمع لآخر لكان لنا أن ندرك الصعوبات التي تقف عائقاً في سبيل التوصل إلى صيغة عامة للإصلاح.

هذا وإذا كان قد اتضح قدرة موجة الإصلاح السياسي على الانتشار إلا أنه في خضم هذا الاكتساح الهائل للمنظومة الليبرالية يجب عدم إغفال إمكانية تعرض هذه التجارب لانتكاسات وهو ما يقودنا إلى الحذر فى التسرع باستنتاجات تتعلق بمسار هذا الإصلاح في القارة الآسيوية. ويحدونا هذا الواقع إلى ضرورة النظر إلى الإصلاح السياسي في آسيا باعتباره مرحلة انتقالية يمكن أن تتعرض وبنفس القدر لانتكاسات تنذر بعودة النظم السلطوية وخاصة إذا ما ارتبطت هذه المرحلة بأزمات اقتصادية واجتماعية. فالدول الآسيوية ما زالت تفتقر إلى التعددية بما يسهم في حجب عدد من التوجهات السياسية وهو ما يعكس خللاً عميقاً في التطبيق نظراً لنبذ الثقافة السائدة للعديد من أسس وركائز هذا الإصلاح.

وفي هذا السياق، يبقى التأكيد على إنه ما زالت هناك بعض النقاط التي تظل محل جدل في القارة الآسيوية خاصة فيما يتعلق بحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الخارجية خاصة في ظل تخوف هذه الدول من تحول آليات التغير إلى سلاح في يد السياسة الخارجية الغربية التى تستند إلى سياسات اقتصادية غربية. يرتبط بذلك تساؤلات أخرى تتعلق بمدى إمكانية الحديث عن إصلاحات سياسية في ظل تحكم المؤسسة العسكرية في خيوط اللعبة السياسية في كثير من الدول الآسيوية.

عموماً يمكن القول أن بدء الألفية الثالثة يعد بمثابة فرصة جيدة لأن تسترجع الدول الآسيوية الإخفاقات التي تعرضت لها حتى تعي دروس مسيرتها السياسية والاقتصادية، وتصحيح بعض مثالب تجاربها السياسية في ظل المزيد من الإصلاحات السياسية التي لا تطمس خصوصيتها الثقافية. وعلى هذا النحو فإن مستقبل القارة الآسيوية يظل محل تساؤل مع حلول الألفية الثالثة وما تحمله من مستجدات على الساحة الدولية سوف تسعى بالتأكيد الدول الآسيوية من خلالها إلى محاولة استعادة توازنها بعد الأزمات التي تعرضت لها في التسعينيات.

الهوامش

1-
Gerardo L. Munck, "Democratic Transition in Comparative Perspective", Comparative Politics, no. 6 (April) 1994, p. 337.
2-
Shaid Qadir, "Sustainable Democracy: Formalism vs. Substance" , Third World Quarterly, n. 1412, 1993, p. 416.
3- هدى ميتكيس، الإسلام والتنمية فى إندونيسيا، فى ماجدة صالح (محرر)، الإسلام والتنمية فى آسيا، (القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة، 1999).
4-
Larry Diamond, "The globalization of Democracy, Trends, Types, Causes and Prospects," in Robert Splater, et al., Global Transformation and the Third World, (Boulder, Colo rado : Lynne Rienner 1992), pp. 101-106.
5-
Samuel V. Valenzuela, Democratic Consolidation in Post-transitional Settings: Nation, Process, and Facilitating Conditions in Mainwaving, O' Donnell and Valenzuela, ed., Issues in Democratic Consolidations, (Notre Dame Ind: University of Notre Dame Press 1992), p. 39.
6-
Larry Diamond, op. cit., p. 37.
7-
Doh Chull Shin, "On the Third Wave of Democratization: A Synthesis on Evolution of Recent Theory and Research", World Politics, n. 47, (Oct. 1994), pp. 135-140
8-
Philippe Schmitter, "The International Context of Contemporary Democratization", Journal of International Affairs, n. 2 (1994), pp. 3-12.
9-
Robert Pinkney, Democracy in the Third World, (Boulder, Colorada Lynne Rienner Publishers 1994), p. 169.
10-
Robert A. Scalapino, "Democratizing Dragons South Korea and Taiwan", Journal of Democracy, n. 4, (July) 1993.
11-
The Eruopa World Year Book 1996, vol. 2, (London: Europa Publications Limited 1996), p. 2559.
12-
Przeworski, "The East becomes the South", Political Science and Politics, 24 Oct., 1994, p. 365.
13-
Z. A. Petezynskued, The State and the Civil Society, (Cambridge: Cambridge University Press, 1994).
14- هدى ميتكيس، الإسلام والتنمية فى إندونيسيا، فى ماجدة صالح (محرر)، الإسلام والتنمية فى آسيا، (القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة، 1999) ص 107.
15- نجلاء الرفاعى، التحول الديمقراطى فى كوريا الجنوبية وتايوان، فى محمد السيد سليم والسيد صدقى عابدين (محرران) ، التحولات الديمقراطية فى آسيا، (القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة 1999)، ص ص 94-96.
16-
Amitav Acharya, "Human Security in the Asia Pacific: Puzzle, Panacea, or Peril?", P.6, 7.
http://www.cpdsindia.org/globalhuman...zlepanacea.htm
17-
Suchit Bunbongkam, "The ASEAN Vision 2020 and the ASEAN way", ”, in Mely C. Anthony and Mohamed Jawahar Hassan (eds.), The Asia Pacific in the New Millennium: Political and Security Challenges, (Malaysia: Institute of Strategic and International Studies, 2001) PP. 197-198.
18-
Final Statement ASEM People's Forum V, "People's actions for Human Security in Asia and Europe" Hanoi, Vietnam, 9 September, 2004, P.1.
www.tni.org/asem-hanoi/statement.htm
19- لمزيد من التفاصيل انظر:
Majid Tehranian, “Introduction: Triple Track Diplomacy in West Asia,” in Majid Tehranian (ed.), Bridging A Gulf: Peace building in West Asia, (New York: Toda Institute for Global Governance and Policy Research, 2003), P. 1-2.
20-
Final Statement ASEM People's Forum V, "People's actions for Human Security in Asia and Europe" Op. Cit., p.1-4.
21-
Kenneth Christie, "Regime Security and Human Rights in Southeast Asia", Political Studies, Vol. XLIII, 1995, P. 209-210.
22-
Philippe Schmitter, "The International Context of Contemporary Democratization", Journal of International Affairs, n. 2 (1994), pp. 16-17.
23-
Larry Diamond, op. cit., pp. 110-112.
24-
Roland Robertson, Global Culture, Nationalism Globalization and Modernity. Theory, Culture and Society, Special Issues, (London: New Bury Park: Sage Publications 1990), pp. 15-20.
25-
Roland Robertson, Global Culture, Nationalism Globalization and Modernity. Theory, Culture and Society, Special Issues, (London: New Bury Park: Sage Publications 1990), pp. 22-23.
26- جاك أتاى، آفاق المستقبل، ترجمة محمد زكريا (بيروت، مكتبة الشروق، 1995)، ص ص 20-21.
27- مصطفى حمدى، "العولمة، آثارها ومتطلباتها"، فى صبرى حسنين (محرر)، العولمة: الفرص والتحديات، (أبو ظبى: ديوان ولى العهد، إدارة البحوث والدراسات، 1997).
28-
Guillirmo O'Donnell, "Transitions Continuities and Paradoxe" in Mainwairing….ed., op.cit., p. 10-13.
29-
Philippe Schmitter, op.cit., pp. 20-23.
30-
Gerardo L. Munck, "Democratic Transition in Comparative Perspective", Comparative Politics, no. 6 (April) 1994, pp. 358-361.
31-
Tatu Vanhanen, The Process of Democratization, A Comparative Study, (Washington: Mass, MIT Press 1995), pp. 5-9.
32- لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع:
Richard Stubbs, "Malaysia: Avoiding Ethnic Strife in a Deeply Divided Society", in J. Montiville, Conflict and Peace Making in Multiethnic Societies, (New York: Macmillan, Inc. 1990), p. 288.
33-
Tun J. Cheng & Stephen Haggard, "Taiwan in Transition", Journal of Democracy, n. 2 (Spring 1990), pp. 72-73.
34-
The Europe World Year Book, op.cit., p. 2560.
35-
Tun J. Cheng & Stephen Haggard, op.cit., p. 78.
36-
The Europe World Year Book, op.cit., p. 2572
37-
Arend Lijphart, Constitutional Choices for New Democracies, Journal of Democracy, n. 2 (Winter 1992).
38- ميرفت عبد العزيز، العلاقة بين الديمقراطية والتنمية فى سنغافورة وماليزيا، فى محمد السيد سليم، ونيفين مسعد محرران، العلاقة بين الديمقراطية والتنمية فى آسيا، مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة، 1997، ص 322.
39-
Dong-Suh Bark & Chae-Jin Lee, Bureaucratic Elite and Development Orientations in, Dae Sook Suh and Chae-Jin Lee (eds.) Political Leadership in Korea, (Washington: Seattle University Press, 1989) pp. 91-95.
40-
Harold Crouch, Authoritarian Trends, The UMNO Split and the Limits of State Power, in Joel S. Kahn and Francis L.K. Wah eds., Fragmented Vision: Culture and Politics in Contemporary Malaysia (Sydney: Allen & Unwin 1992) p. 135-158.
41-
W. Case, Semi Democracy in Malaysia, Withstanding the Pressures for Regime Change, Pacific Affairs, vol. 66 no. 2 (Summer) p. 51-55.
42-
Tatu Vanhanen, op.cit., pp. 17-24.
43-
Larry Diamond, op.cit., pp. 130-134
44-
Ibid, pp. 151-152
45-
Robert Pinkney, op.cit., pp. 172-173
46-
Kim Dae Jung, Is Culture Desting, The Myth of Asia’s Anti-Democratic Values, Foreign Affairs vol. 73 no. 6 Nov. Dec. 1994, p. 189-194.
47-
T.N. Harper, Asian Values and Southeast Asian History, Historical Journal vol. x no. 2, p. 507-517.
48- هدى ميتكيس، المتغير الثقافى والتنمية فى كوريا، فى محمد السيد سليم (محرر)، النموج الكورى للتنمية، مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة 1996، ص 361-383.
49- منصور أبو العزم، "آسيا: ازدهار اقتصادى واستقرار سياسى ولكن"، الأهرام، 29/12/2000.
50- نجلاء الرفاعى، مرجع سابق، ص 95.
51-
Guillirmo O'Donnell, op.cit., p. 20-25
52- هدى ميتكيس، الإسلام والتنمية فى إندونيسيا، مرجع سابق، ص ص 102-109.
óóóóó
* مدير مركز الدراسات الآسيوية - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الاصلاح السياسي لحظة تاريخية يستحقها العرب بجدارة ابراهيم الطارق حوارات حول الشورى والديمقراطية 0 27-07-2007 09:27 PM
في محاضرة عن الإصلاح السياسي بين العرب وأمريكا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وحيد عبد العال الحوارات العامة 3 08-05-2006 06:00 PM
مساهمة في نقد العقل السياسي الأمريكي سعد سلوم الحوارات العامة 0 30-01-2006 10:39 AM
الإصلاح السياسي في البلاد العربية بين رغبة النظام السياسي العربي فيه وقدرته عليه وائل ميرزا حوارات حول الشورى والديمقراطية 0 28-11-2005 02:44 PM
حتمية الإصلاح في الوطن العربي د. علي منير حرب حوارات حول المجتمع المدني 6 11-05-2005 07:14 PM


الساعة الآن 11:51 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى حوارات الفاخرية @2011
Designed By csit.com.sa